ويأتي بعض أعضاء مجلس الأمة الذي اصدر قرار إلغاء الخلافة في عام 1924 إلى مصطفى كمال ويعرضون عليه الخلافة ولكنه يرفضها بكل نفور قائلا ( إن الإنجليز سوف لا يرضون عن هذا ) ص 296 نقلا عن كتاب"الخطابة"ص 515
هذه هي العلمانية وهي تخرب وطنا بعد أن خربت امبراطورية بعد أن خرب معلمها الأول"إبليس"على آدم موطنه في الجنة
يقول صاحب كتاب الرجل الصنم وهو يسد الطريق أمام من يدعون أن العلمانية في البلاد الإسلامية يمكن أن تكون غير معادية للدين:( إن المدرسة الفرنسية العلمانية تدعو إلى فصل الدين عن الدولة ، أي أنها تدعو الدولة إلى عدم التدخل في الشئون الدينية ، كما تدعو إلى عدم تدخل الدين في أمور الدولة . أما رجال الدين والقسس الذين تسلطوا على الدولة وإدارتها وعلى المدرسة وعلى العائلة وعلى جميع المؤسسات الاجتماعية دون أن تكون لديهم أية أحكام شرعية فإن العلمانية تدعو إلى بقائهم في نطاق عملهم ، وحصرهم في دائرة وظيفتهم فقط ، دون السماح لهم بتخطيها أو تجاوزها ، وهكذا يتبين أن العلمانية - في منبعها في فرنسا - لم تكن موجهة لهدم أية عقيدة مسيحية ولكنها عملت فقط على إبعاد المسيحية التي لا تملك أحكاما دنيوية عن تسلط غير عادل وغير مبرر .
لذلك فإن العلمانية لا توصف بأنها غير دينية أي ضد الدين ، بل يمكن التعبير عنها بأنها لادينية ، أي لا توجد لها علاقة بالدين ، لذا فإن العلمانية يمكن تطبيقها فقط على الأديان التي لا تملك أحكاما دنيوية
ولما كان الدين الحقيقي يشمل الدنيا والآخرة ويضم الإنسان والمجتمع بروحه ومادته ويحيط بكل شيء فإن العلمانية تجاهه لا توصف إلا بأنها"غير دينية"أي ضد الدين وهادمة للدين ، ولذلك فاستنادا إلى المفهوم العلمي الخالص فإن العلمانية لا تعني بالنسبة للإسلام إلا هدما له وتقويضا لأركانه وإن من المستحيل إيجاد الوفاق بين العلمانية وبين الإسلام )ص 330
ويبدو أن مؤلف الكتاب إنما اعتمد في تصوره عن خلو المسيحية من التشريع على تيار معين ، ربما أسس له بولس"الرسول"وهو يمهد لترك شريعة الختان في رسالته إلى أهل رومية ( 3: 27-28) إذ يقول:: ( فأين المفاخرة ؟ قد انتفى ، بأي ناموس ؟ أبناموس الأعمال ؟ كلا بل بناموس الإيمان ، إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس )
وعلى العكس من هذا يقرر يعقوب في رسالته في الإصحاح الثاني فقرة 17 - 26 ( هكذا الإيمان أيضا إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته ) ويقول فيما يعتبر ردا للتيار العلماني الذي يرفض الشريعة ويدعي الإيمان: ( أنت تؤمن أن الله واحد ، حسنا تفعل والشياطين يؤمنون ويقشعرون ، ولكن هل تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت . ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح ، فترى أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان ، وتم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله فحسب له برا ودعي خليل الله ، ترون إذا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده ، كذلك راحاب الزانية أما تبررت بالأعمال إذ قبلت الرسل وأخرجتهم من طريق آخر ، لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت ، هكذا الإيمان أيضا ، بدون أعمال ميت )
ويقول فيما يعتبر ردا على العلمانية التي تدعي التوجه إلى الدنيا والظفر بها ( هلم الآن أيها الأغنياء ، ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة ، غناكم قد تهرأ ، وثيابكم قد أكلها العث ، ذهبكم وفضتكم قد صدئا وصدأهما يكون شهادة عليكم ، ويأكل لحومكم كنار ) الإصحاح الخامس فقرة 1- 3
إن العلمانية أبلسة قديمة حديثة ، بينا كيف ضربت في أعماق الإنسان وهو في موضع التكريم بجوار الملائكة ، ، ثم واصلت ضربه وهو في موضع إعادة التكوين في دار الابتلاء ، وهي محاربة لله ورسوله ، وهي اعتداء على شريعته
وهكذا بالعلمانية سقطت تركيا معقل الخلافة وتداعت أوطان المسلمين التي كانت قد بدت عليها الشروخ من قبل ، وأعلنت الحماية الغربية الموتورة على شعوب المشرق والمغرب من شعوب الإسلام ، وعقدت اتفاقيات الغرب في تقسيم ميراث الرجل المريض ، وجرت معه ألاعيب الاستقلال الزائف ، وهو استقلال استهدفت الشعوب حقيقته ، بينما استراحت إليه النخب العلمانية زائفا ، حرصا منهم على استمرار الحبل السري الذي يربطهم بمصدر وحيهم في قوى الاستعمار .
، وربما يشيرون في هذا إلى شيء من التقدم الصناعي والعلمي النسبي في تركيا العلمانية متجاهلين أنه لم يكن بسبب الفصل بين الدين والدولة ، بمعنى أنه لم يكن بسبب إبعاد الإسلام عن شئون الدولة وما تجر إليه مبادئه من التخلف كما يدعون ، وإنما كان فتاتا يقدمه الغرب مكافأة لتركيا على إبعاد الإسلام ، ولتتحول إلى نقطة جذب علماني بين البلاد الإسلامية
وهنا فإننا نتساءل: أي تقدم صناعي أو غير صناعي حققته تركيا باسم العلمانية ؟
وأين هي مما حققته شعوب أخرى في نفس المرحلة التي قضتها تركيا في العلمانية منذ بدئها حتى اليوم ؟ أين هي مما حققته اليابان والصين وماليزيا وسنغافورة وما إليها ؟ يا للعار ؟؟ إنه لأشبه بما جرى للاتحاد السوفيتي من قبل ، تحطيم الدولة لأجل فتات المائدة ، وإنه ليشبه أن تدعو الاتحاد الروسي اليوم إلى تصفيته ليصبح مونت كارلو أو ليصبح هونج كونج
ماذا حققته تركيا منذ علمانيتها حتى اليوم وهي ما تزال ملحقة بذيل الغرب سياسيا وعسكريا واقتصاديا وتتمنى المزيد ولكنهم هناك يتمنعون ؟! وقد كانت من قبل في ظل الإسلام وبفضله الدولة الكبرى التي يرتعب أمامها دول العالم صغيرها وكبيرها على السواء
وبعد: ألا يذكرنا ما يسمى اليوم"مشكلة الشرق الوسط"وجوهرها اليوم فلسطين والعرب بما كان يسمى"المسألة الشرقية"وجوهرها كان إذ ذاك تحطيم الخلافة الإسلامية ؟
ألا يتضح لنا الحبل السري الذي يربط سقوط السلطان عبد الحميد في مخطط"المسالة الشرقية"بسقوط فلسطين في مخطط الشرق الوسط""
وهل يعني هذا إلا أن المخطط ما زالت حلقاته ممتدة ؟
وألا يذكرنا ذلك بشعوب أخرى - كادت تسقط من الذاكرة بعد أن سقطت في براثن العلمانية ، أو سقطت في براثن التفكك ، وتخلي المسلمون عنها ، وتم القضاء عليها فرادى: نتيجة حتمية للفكر العلماني؟
نقدم أدناه إشارات- فيما يشبه مرور الكرام - إلى تساقط مباني الإسلام حجرا حجرا أو جدارا إثر جدار ، أوسقفا إثر سقف وتواتر ذلك بسبب من العلمانية تدميرا منه للكيان الإسلامي ، أو تفكيكا لروابطه
بعد سقوط دولة الحماية الإسلامية ، وسقوط الخلافة ، تساقطت مباني الإسلام في أوطان المسلمين الذين سلكوا مسلك تركيا وإن لم يعلن بعضهم ما أعلنته تركيا: مسالك علمانية في علاقاتهم الداخلية ، ومسالك علمانية في علاقاتهم مع غيرهم من المسلمين في أنحاء العالم ، علمانية اقتضت براءة بعضهم من بعض، أو تنكر بعضهم لبعض ، ، مسالك علمانية على جبهات السياسة والتربية والفن والإعلام والشئون الاجتماعية جميعا.
إنها إشارات - موجزة وربما هي ناقصة - إلى: