فهرس الكتاب

الصفحة 2855 من 3028

وأدرك السلطان عبد الحميد الخطر القادم من وراء الزحف العلماني إذ يحذر المصريين أو يحذر منهم قائلا في مذكراته: ( هاهم - أي الإنجليز - قد خدعوا المصريين بأفكارهم لدرجة أن البعض منهم يؤمن بأن طريق الإنجليز هو السبيل إلى الأمن والنجاة ، وبفضل القومية على الدين ، إنهم يظنون أن حضارتهم ستمتزج بحضارة الغرب دون أن يشعروا أن هناك تضادا بين الحضارة الإسلامية والحضارة النصرانية بحيث لا يمكن أبدا التوفيق بينهما ) المصدر مذكرات السلطان عبد الحميد نشر مؤسسة الرسالة ط خامسة ص 35 - 28

وإذا كانت العلمانية هي القضية المركزية في الخروج من الجنة ومن الأوطان ولا عودة إلى أي منهما بغير الرجوع عنها فإن الأحداث التاريخية التطبيقية لهذه القضية بدأت بالقضية المركزية في فلسطين

وأدرك الخطر القادم على فلسطين السلطان عبد الحميد الذي قُدر لبلده أن تبدأ الأخطار من جهتها إذ يقول في مذكراته:( إنني لم أتخل عن الخلافة لسبب ما سوى أنني بسبب مضايقة رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة - وهي عش الأفعى الذي انطلقت منه العلمانية في تركيا - وتهديدهم اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة

إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علىَّ بان أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة"فلسطين"ورغم إصرارهم فإنني وبصورة قطعية لم أقبل هذا التكليف ، وأخيرا وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبا ، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا ، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا - فضلا عن مائة وخمسين ليرة إنكليزية ذهبا - فلن أقبل تكليفكم هذا بوجه قطعي ، لقد خدمت الملة الإسلامية والملة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلمَ أسود صحائف المسلمين: آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين ؟ لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضا .

وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي ، وأبلغوني بأنهم سيبعدونني إلى سلانيك ، فقبلت هذا التكليف الأخير .

هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة: فلسطين )

كتب السلطان عبد الحميد رسالته هذه إلى شيخه في الطريق الشاذلي الشيخ محمود أبي الشامات 1329 هـ ونشرها الأستاذ سعيد الأفغاني في مجلة العربي الكويتية في عدد كانون الأول عام 1972، كتبها السلطان عبد الحميد منذ حوالي ثمانين عاما قبل أن تظهر على الأفق ملامح الكارثة ، لم يكن السلطان عبد الحميد في موقفه هذا خاضعا لعاطفة من الحرص والطمع السياسي ، فهو نفسه الذي يقول في مذكراته ص 78: ( لم آسف على فقد بلاد البلقان التي استعصت على حكمنا واستهلكت الكثير من قدراتنا ، فبقدر ما أمكننا الانحسار والتكثيف بقدر ما نستعيد قوتنا ونتخلص من المرض )

إذن فما الذي جعله يضحي بعرشه دون أن يسلم فلسطين للصهيونية ؟ أهو القومية ؟ أهو الاقتصاد ؟ أهو النضال ضد الإمبريالية ؟ أهو شيء غير الإسلام ؟ أليس هذا هو الإسلام الذي تصر العلمانية على استعباده من شئون السياسة والدولة والحياة ؟

وما الذي جنيناه على أيدي العلمانية التي بدأت في تركيا واستمرت ؟ غير أن تقطعنا دويلات وطوائف ؟ وأخذت تتساقط من هذه الدويلات قاصيها والداني منها على السواء ؟

وحصلت جريمة الغرب في تأسيس دولة إسرائيل

يقول كلود شيسون المفوض للسوق الأوربية المشتركة في مؤتمر صحفي عقده في تونس ( إن الغرب ارتكب جريمة عام 1948 بإسهامه في خلق إسرائيل ، إن الغرب يتحمل مسئولية تحويل الشعب الفلسطيني إلى لاجئين وإنشاء وكالة دولية للإغاثة قامت بتشريد الفلسطينيين وتحويلهم إلى شعب بدون وطن ) المصدر جريدة الاتحاد بأبوظبي عام 1988

هكذا يعترف الغرب العلماني - على لسان مسئول كبير - بجريمته العلمانية

أما في الخلافة العثمانية فنحن نعرف ما حدث من تآمر الغرب مع حزب الاتحاد التركي العلماني على إسقاطها في بدايات القرن العشرين بعد أن ظلت أكثر من أربعة قرون القلعة الشامخة للإسلام والمسلمين ، تحميهم وتذود عنهم كلاب أوربا المسعورة ، وتبث الرعب في رجالها البغاة ، وتصل إلى مخادعهم لتملأها بكوابيس الرعب والهوان

صحيح أن هذه الامبراطورية كانت قد شاخت وسرت في جسمها أمراض الحضارات الكبيرة وأنها كانت في حاجة إلى دم جديد أو مركز إشعاع إسلامي جديد ، ولقد كانت هناك محاولات من هذا القبيل كالتي قام بها محمد علي في مصر ، أجهضت على يد الغرب .

لكن غير الصحيح هو ما تولى كبره الغرب من التآمر على توزيع ميراث هذا الرجل المريض ، ودفن دولة الإسلام إلى الأبد باسم العلمانية ، وبأيدي العلمانيين الخونة من زعماء تركيا .

والسؤال الآن ما الذي حدث للدولة على يد العلمانية في تركيا ؟

في سنة 1922 تم فصل السلطنة عن الخلافة وإلحاقها بمجلس الأمة وكانت هذه الخطوة هي التمهيد الطبيعي لإلغاء الخلافة { بعد ذلك في شهر مارس من عام 1924 }

وكان إلغاء الخلافة كما يقول مؤلف كتاب"الرجل الصنم" [1] أحد هدفين هامين عند الإنجليز أولهما: ( إلغاء الخلافة وسواء كانت للخليفة سلطة فعلية أولا فإنها كانت تحمل على الدوام احتمال الظهور والوجود )

وكان الهدف الثاني اقتطاع لواء الموصل ومنابع النفط فيها من تركية ص 266

أليس هذا هو أصل النسخة الكربونية البوشية الحديثة مع اختلاف الأسماء ؟

ثم عقد مؤتمر الصلح بلوزان بعد عشرين يوما من إلغاء السلطنة ، وفي مفاوضات المؤتمر كان الإنجليز في بدايته ما يزالون يخفون رغبتهم في إلغاء الخلافة ولكنهم كانوا كما يقول الدكتور رضا نور في مذكراته - وزير الصحة التركي والممثل الثاني في مؤتمر الصلح بلوزان وكان في البداية معارضا لإلغاء الخلافة بالرغم من موافقته على إلغاء السلطنة - يظهرون تعصبهم المسيحي بإصرارهم على بقاء بطريركية الروم في استامبول ! ص 276

ويتوقف المؤتمر وتدور الاتصالات من وراء الكواليس ، وتأتي شروط انجلترا للصلح وفيها الشرطان الأساسيان: إلغاء الخلافة وترك الموصل . 287 ص

وبعودة المؤتمر للانعقاد بدأت الحكومة التركية بقيادة أتاتورك تقدم سيل التسهيلات إلى انجلترا والعالم الغربي للحصول على الصلح: ( وكأنهم يقولون لهم لقد تركنا الإسلام ودخلنا إلى طريق التشبه بكم فاحمونا ) على حد تعبير كاتب"الرجل الصنم"ص 289 ، وهذا ما قاله رضا نور عضو الوفد التركي في كتابه"حياتي وذكرياتي": ( كنت أول من تلفظ بهذه الكلمة في جلسات مؤتمر لوزان إذ قلت:( إن تركيا أصبحت علمانية وقد انفصل الدين عن الدولة وإذا ما تم الصلح فإننا سنقوم بوضع القوانين المدنية ) ثم يقول: ( وكلامي هذا مسجل في محاضر الجلسات وقد قلت هذا من اجل الدفاع عن مصالحنا في لوزان ، وقد كانت هذه من أهم نقاط الارتكاز والاستناد التي كنا نستند عليها في لوزان ، وقد سبق أن وضعت شرط فصل الدين عن الدولة في التقرير الذي وضعته عن إلغاء السلطنة وهذا هو الأساس في العلمانية ) ص 289 من"الرجل الصنم"

يقول صاحب كتاب"الرجل الصنم": ( إن معاهدة لوزان ليست إلا عبارة عن رشوة وذلك بإعطاء استقلال صوري لوطن قلمت أظافره وقصت أجنحته مقابل التضحية بالإسلام ، وقد وضعت مجلة"بيوك دوغو"- لصاحبها نجيب فاضل الذي يعتبر من كبار أدباء ومفكري تركيا - وكذلك كتاب معاهدة لوزان انتصار أم هزيمة"في سنة 1958 هذه الحقيقة المرعبة أمام الأنظار ) ص 294"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت