ولأن آدم عليه السلام كان ممن اصطفى الله ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) 33 آل عمران فقد كان عليه أن يكون النموذج في الطاعة ، والنموذج في ثمرات الطاعة ( يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ) البقرة 35 ، والنموذج في عواقب الخروج على الطاعة في ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) 35 البقرة ( فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة ، وعصى آدم ربه فغوى ) طه 121، والخروج من الجنة ( فأخرجهما مما كانا فيه ) 36 البقرة
ولأن أمة الإسلام هي كذلك ممن اصطفي الله بتكليفهم برسالة الله في الأرض ( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) آل عمران 110 انطبق عليهم ما انطبق على أبيهم في نمذجة الطاعة ونمذجة عواقبها ، ونمذجة المعصية ونمذجة عواقبها. فكانت إذا أسلمت سلمت لها حياتها ، وسلمت لها الأوطان ، وإذا تعلمنت ساءت وسيئت حياتها وبدت لها سوءاتها و طردت من معونة الله ، وطردت من الأوطان
أليس هذا ما جرى لآدم عليه السلام ؟
وأليس هذا ما جرى من إبليس أستاذ العلمانية ومبتدعها اللعين ؟
وأليس هذا ما جرى ويجري من رواد العلمانية في الأرض ؟
وأليست"ليس"رمز السلب ، المنحوت من إبليس رمز المعصية ؟
وأليس هذا ما جرى لأمة الإسلام في تجربتها التاريخية الكبرى ؟
وهاهي اليوم وقد أعرضت بالعلمانية عن الله منذ أكثر من قرن .. تبدو سوءاتها فتطفق تخصف عليها من ورق العلمانية ، فتارة ورقة تسمى الإنسانية ، وتارة ورقة تسمى القومية وتارة ورقة تسمى الاشتراكية ، وربما الشيوعية حسب الأحوال ، وتارة ورقة تسمى الديموقراطية ، وتارة ورقة تسمى الليبرالية وتارة تسمى العولمة وأخرى تسمى الحداثة ، و هلم جرا
هانحن نرى الأمة الإسلامية في أثناء هذه الممارسات تشارك في هذه الموبقات جميعا ولكنها بعد ذلك وبسبب ذلك تطرد منذ أسلمت أمرها لإبليس العلمانية أو علمانية إبليس .
طردت وما زالت تطرد في المكان من أوطانها التي كانت لها بالإسلام وطنا بعد وطن
طردت وما زالت تطرد في الزمان من التاريخ ومن الحياة
ولا عودة بها إلى المكان والزمان والحياة بغير رجوعها إلى مشروعها الذي اصطفيت له ، ونبذ كل مشروعاتها العلمانية التي بدأها إبليس معلم العلمانية الأول ، وهي المشروعات التي بدأتها بسقوط الدولة الإسلامية في بداية القرن العشرين وما زالت تتخبط ويتخبط مفكروها ومنظروها في ظلماتها حتى اليوم ، يسلكون ما يسلكون ثم يفشلون فيصرخون جهلا ويصرخون حيرة ويصرخون دهشة ، يحسبون أنهم يصلحون وما دروا أنهم مفسدون: ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) البقرة 11 - 13""
وما دروا أنهم كذلك لأنهم يتخبطون خارج المشروع . ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) البقرة 16- 18
إنها لا عودة بها إلى المكان والزمان والحياة والنور بغير رجوعها إلى مشروعها الذي اصطفيت له ، ( كنتم خير أمة أخرجت ) ونبذ كل مشروعاتها العلمانية التي بدأها من قبل إبليس معلم العلمانية الأول ، ثم بدأتها"امتنا الإسلامية"بمؤامرات نخبتها - مع عدونا الأكبر - على سقوط الدولة الإسلامية في بداية القرن العشرين ، وجاراهم في ذلك عموم الأمة: جهلا واستنامة ، أو ضعفا واستكانة ، أو سكوتا واستهانة ، أوتربحا أو طلبا لزائف السلامة .
سقطت الدولة الإسلامية فتداعت أحجار الدينومو جميعا: فسقطت تركيا ، وسقط العرب ، وسقطت مصر وتداعت أحجار البناء وما تزال تتداعى شرقا وغربا ، وتداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .
ترنح هؤلاء جميعا كالعرائس المخدورة على أنغام القس أكسنفلد الذي قال في مؤتمر أدنبرج التبشيري بعد أن أشار إلى ( أن الخطر الإسلامي صار أمره معروفا للجميع .. ) هكذا !! قال: ( إن الحكومة - ويقصد الحكومات العميلة للاستعمار - لابد لها من القيام بتربية الوطنيين المسلمين في المدارس العلمانية مادام هؤلاء المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية !! ) المصدر كتاب"الغارة على العالم الإسلامي"تأليف أد شاتليه ترجمة مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب ط القاهرة المطبعة السلفية عام 1350 هـ ص ، 105
أوما قاله القس صمويل زويمر وجيمس كانتين عندما تأسست الإرسالية العربية الأمريكية عام 1889 ( إن للمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية ) وقولهما: ( إن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية !! ) المصدر كتاب"الخليج العربي أمام التحدي العقدي"للدكتور سعيد حارب ، نشر مكتبة الأمة بدبي ط 1985 ص 43- 46 نقلا عن"تاريخ عمان لوندل فيلبس ترجمة محمد أمين عبد الله ص 67"
ثم يقول الدكتور سعيد حارب نائب مدير جامعة الإمارات: ( إن الهدف الرئيسي لم يكن غائبا لحظة عن دعاة التنصير ، وهو القضاء على الإسلام في عقر داره ، وهزيمة المسلمين في بلادهم فمكة المكرمة هي الهدف { كذا } والجزيرة العربية هي الطريق إلى ذلك ، والخليج هو البداية التي يلج فيها التنصير إلى مكة المكرمة كما يصفه زويمر ) المصدر السابق ص 74
وما جاء في قرارت مؤتمر أدنبرج التبشيري الذي عقد عام 1910 ( يشير المؤتمر على الذين بأيديهم زمام المستعمرات أن يقاوموا كل عمل من شأنه توسيع نطاق الإسلام ، وأن يزيلوا العراقيل من طريق انتشار النصرانية ، وأن ينتفعوا من أعمال إرساليات التبشير التي تبث مبادئ المدنية !! ) المصدر الغارة على العالم الإسلامي ص 82
فهل من جديد في كلام المبشر الرئيس بوش الإبن وجماعته ممن يسمون المحافظين الجدد ؟
وأليس من الواضح أن العلمانية وهي تبدو في ثوب استبعاد الدين تجد في الدين المضاد حليفا طبيعيا لها في العمل على تحطيم الإسلام منذ كشر الغرب عن أنيابه ضد الإسلام في دورته الجديدة في العصر الحديث ؟
إن العاملين في مجال تحطيم الإسلام والمسلمين هنا هم ثالوث عريق متداخل الأركان: الاستعمار والتبشير والعلمانية ، ثم انظر تحت أي حذاء من أحذية هذا الثالوث تجد من يسمون أنفسهم اليوم دعاة الإسلام الجديد . فربما كان هو حذاء القس ينغ الذي قال في مؤتمر لكنو عن الانقلابات السياسية في جزيرة العرب: ( إنه قد أزف الوقت لارتقاء العالم الإسلامي ، وسيدخل الإسلام في شكل جديد من الحياة والعقيدة ، ولكن هذا الإسلام الجديد سينزوي ويتلاشى أمام النصرانية ) المصدر كتاب"الغارة على العالم الإسلامي"105 وربما كان هو حذاء واحد من زعماء السياسة الغربية ويليام ويلجراف في قوله في أحد مؤتمرات التبشير في مطلع القرن العشرين: ( متى توارى القرآن ومكة عن بلاد العرب !! يمكننا أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها غير محمد وكتابه ) المصدر كتاب"الغارة على العالم الإسلامي ص 58"