وفي العام 1880م تقريبًا استطاعت مجموعة من قوافل التنصير النفاذ إلى داخل القارة مرة أخرى ، فتمكن المنصرون الألمان على وجه التحديد من بناء عدة مراكز وكنائس في تنجانيقا ( تنزانيا ) وتمكن المنصرون الإنجليز من بناء عدة مراكز وكنائس في كينيا .
أما في أوغندا فكان النجاح حليفًا للكنيسة البروتستنتية التي نجحت في استمالة متيسا Mtesa ملك البلاد الذي كان مترددًا في اعتناق الإسلام ، لكنه لما رأى توافد البعثات الكاثوليكية إلى بلاده أيضًا ، واقترب من الصراع الحاد الذي تبودل بين الكنيستين لكسبه ، واستشعر تخلف دعاة المسلمين عن مساندته في ظل السلطات المحتلة ، فآثر ألا يعتنق دينًا ، مفضلًا الموت على وثنيته ، وخلفه على الملك ابنه موانجا Mouanga الذي وقع تحت تهديد البعثات التنصرية لإعلان نصرانيته ، فأعلن تحديه لهذه التهديدات وأمر بقتل كل نصراني في ديوان مملكته ، وأصدر قراراته بقتل كل من يعتنق دينًا غير الوثنية التي مات عليها والده ، فالتزمت البعثات النصرانية الصمت وأوقفت كل نشاط لها داخل البلاد ، في حين أعلن بعض من المسلمين تمردهم على قرارات: القتل أو الوثنية التي أصدرها موانجا ، فاضطر إلى الهروب خارج البلاد ، لكن أحدًا من المسلمين لم يتقدم للإمساك بزمام حكام المملكة ، فتآمر النصارى مع موانجا ووقفوا معه في مواجهة المسلمين وأعادوه إلى عرشه الذي لم يسع إليه أحد من المسلمين ، وسمح للبعثات النصرانية أن تمارس نشاطها في البلاد بحرية ، فانضم شطر منها إلى الكاثوليكية وشطر آخر للبروتستانتية ، تولد بينهما صراع مذهبي بين القبائل ، خاصة في قبائل باجاندا التي اختارت مذهب البروتستانتية .
غرب إفريقيا:
تضم منطقة غرب إفريقيا خاصة الساحلية منها والتي أصابتها الدعوة النصرانية: الكونغو ، و الجابون ، و الكاميرون ، و نيجيريا ، ومنطقة المينا التابعة لجمهورية داهومي ( بنين حاليًا ) وساحل العاج و ليبيريا ، و سيراليون وكل قطاعات غينيا و السنغال .
وقد بدأت البعثات التنصيرية دورها الفعال في هذه المناطق مع بداية القرن التاسع عشر ، حيث نزلت أول البعثات البروتستانتية إلى منطقة ليبريا وكانت تبشر بالمذهب الميثودستي ، وتكونت هذه البعثة من خليط من المنصرين البيض وعدد من القساوسة الزنوج الذين يجيدون الإنجليزية .
أما البعثة الثانية فقد نزلت في سيراليون ، وكانت تابعة لجمعية التنصير الكنسي ، وبلغت من النشاط مستوى كبيرًا جعل من سيراليون مركزًا لكل البعثات التنصيرية التي تعمل في غرب إفريقيا .
وأتت البعثة الثالثة من مدينة بال السويسرية ، ونزلت في ساحل الذهب ؛ حيث ركزت دعوتها بين قبائل فانتي Fanti وحققت نجاحًا كبيرًا بينها ، عوضها الخسائر الكبيرة التي تكبدها أندريا رايس Andreas Riis رئيس البعثة ، في محاولاته المخفقة المتكررة بين قبائل أشانتي التابعة لساحل العاج ، والتي وصلت في عنادها ورفضها لأي وجود نصراني ، إلى حد أن احتجزت قِسَّين رهينة حتى جلاء البعثة عن أراضي الأشانتي وتحقق لها ما أرادت .
فلما أتت قوات الاحتلال الفرنسي وسيطرت على أملاك الأشانتي وأراضيهم حوالي عام 1815م ، كانت بعثة الميثودست هي أسبق البعثات التنصيرية إلى هذه البلاد ، حيث تم إعداد عدد من القسس الزنوج من أبناء القبيلة لممارسة الدعوة بينهم ، كما أسست كنيسة محلية مستقلة خاصة بالمتنصرين الزنوج تابعة لطائفة البريسبيتريان النصرانية .
في العام 1844م استطاع اثنان من المنصرين ، أحدهما أبيض ويدعى تونزند Townsend والآخر زنجي ويدعى كروثر Growlther استطاعا أن ينشئا فرعًا لجمعية التنصير الكنسي في أبيوكوتا Abeo Kouta بنيجيريا بين أفراد قبيلة اليوروبا التي ينتمي إليها المنصر الزنجي .
ونجح كروثر كثيرًا في نشر الدعوة النصرانية في نيجيريا لمعرفته بلغة القبائل في المنطقة ولهجاتها ، حتى منحته المنظمة عام 1854م منصب مطران نيجيريا ، إلى أن مات عام 1891م .
ومن خلال إعداد منصرين من أبناء القبائل ، ومنحهم الأموال والمناصب والوظائف والوجاهة الاجتماعية ، حقق النصارى مكاسب ضخمة في شتى أرجاء نيجيريا ، مهدت لكل البعثات الأخرى أن تمارس دعوتها في أرض جيدة الحرث وخصبة التربة ومهيأة لكل بذرة يمكن أن تؤتي حصادًا بأقل جهد ومال ؛ إذ عملت إلى جانب البعثات البروتستانتية بكل مذاهبها ثلاث هيئات كاثوليكية هي: آباء روح القدس ، وليون ، والآباء البيض .
وكان للهيئة الأولى نشاطها السابق ومراكزها النشطة في السنغال منذ القرن الثاني عشر ، وهي ذاتها التي بذلت جهودًا ضخمة في غينيا السفلى .
أما جمعية ليون التي أسسها القس الثري بريزيلك Bresillac عام 1856م ، فكان أول نشاط تنصيري لها في غرب إفريقيا عام 1859م بمدينة فريتون على ساحل سيراليون ، لكنه لم يبق على أرض هذه المدينة أكثر من ثلاثة أشهر ، حيث أصابته الحمى الصفراء ومات ليخلفه القس بلانك Planque الذي حدد هدفه على مدى نصف قرن من الزمان على ساحل غينيا ، فأغدق عليها باستدعاء البعثات التنصيرية من كل المذاهب والملل النصرانية ، ولم يغادر هذه المنطقة يومًا بإطلاق .
فلما تمكنت البعثات والمراكز التنصيرية وتثبتت قواعدها في المنطقة الساحلية ، بدأت تنطلق نحو العمق الإفريقي حيث كانت السيطرة كاملة للوجود الإسلامي الذي لم يكن له وجود ملموس في السواحل الإفريقية .
تأسست عام 1868م جمعية الآباء البيض للسيدة العذراء على يد القس الفرنسي لافيجري Lavigerie الذي ابتعثته الكنيسة الجزائرية ؛ حيث كان يشغل منصب أسقف عام الكنيسة الجزائرية ، فأرسل عام 1875م ثلاثة منصرين إلى تمبكتو في قلب مالي جنوب الجزائر ، غير أن قبائل الطوارق تصدوا لهم وقتلوهم .
وإلى رواندا بوروندي Rouanda Puroundi وشرقي الكونغو البلجيكية ( حينذاك ) امتدت جهود البعثات الفرنسية للآباء البيض ، أما بقية الكونغو البلجيكية فكانت من نصيب البعثات البروتستانتية الآتية من إنجلترا وأمريكا .
وفي المنطقة التي سميت بالكونغو الفرنسية ، كان لجماعة آباء الروح القدس النصيب الأكبر فيها ، حيث عمل هناك القس أوجوار Augouard الذي اشتهر باسم مطران أكلة لحوم البشر .
وفي هذه المنطقة تشير بعض الصفحات القديمة في تاريخ الكنيسة الغربية في إفريقيا أن الحماس الذي كان لدى البعثات والأفراد الآتية من طاحونة الحرب المشتعلة في أوروبا وارتدت ثوب الكنيسة وتعلقت بالصليب ، بلغ ذلك الحماس بأحدهم أن لجأ في محاربة الإيمان الذي ينتشر في هذه البلاد بأحقية الرجل في الزواج بأكثر من امرأة ، أنه كان يتزوج هو الفتيات زواجًا صوريًا ، حتى لا يتزوجن من رجال سبق زواجهم ، ثم يعيد تزويج هؤلاء الفتيات مرة ثانية إلى أتباعه الكاثوليك الذين يؤمنون مثله بحرمة تعدد الأزواج .
ولعل أشهر المنصرين الفرنسيين الإنجيليين في منطقة الجابون كان الدكتور شفايتزر Schweitzer الذي كرمته ملكة إنجلترا ونال جائزة نوبل للسلام عام 1954م لقاء جهوده التنصيرية في شرق إفريقيا ووقف المد الإسلامي هناك . أما في الكاميرون فقد تسابقت البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية القادمة من ألمانيا ، فسيطرت الأولى على جنوب البلاد وتركت للأخرى مناطق صراع مذهبي وقبلي ، بينما تمكنت بعض البعثات البروتستانتية الإنجليزية والكاثوليكية الإيطالية أن تصل بنشاطها إلى سكان أعالي النيل في السودان .
بعثات التنصير النسوية: