مع بداية القرن التاسع عشر توغلت حركة الكشف الأوروبية في قلب إفريقيا ، وكثرت البعوث والإرساليات الدينية التنصيرية ، ثم تبعتهما حركات الاحتلال الأجنبي الذي فتح الطرق المسدودة أمام التنصير ، فكان هذا القرن حقًا هو العصر الذهبي للتنصير في إفريقيا ، ولم يبدأ القرن العشرون إلا وكان للنصرانية تواجدها المحسوس والملموس والمرئي بشتى مذاهبها ومللها وكنائسها .
كان النشاط أكثر تركيزًا في إفريقيا الجنوبية ؛ إذ بدأ برحلات الهجرة التي قام بها مئات من الهولنديين البروتستانت البيض ، فاستوطنوا الأرض وتوغلوا فيها ، لكن دون أن تتوفر أي دلائل على أن فكرة تنصير الزنوج مطروحة في عقولهم ؛ إذ كان الهدف في هذه الفترة هو الهروب من أوروبا المتصارعة الفقيرة المتخلفة إلى حيث السيطرة على قبائل الزنوج واحتلال أراضيهم وثرواتها .
ولم تتوفر أي إشارة في الوثائق المتوفرة لدينا تدل على أن هناك إرسالية تنصيرية بالمفهوم الديني قد مارست الدعوة بين الأفارقة الجنوبيين قبل عام 1841م ، عندما بدأ ذلك في مستعمرة الرأس المنصران الإسكوتلانديان روبرت موفات R . Moffat و دافيد ليفنجستون D . Livingstone وهما طبيبان اهتما برحلات الاستكشاف داخل مجاهل إفريقيا ، لخدمة عملهما بالتنصير .
أسس الطبيبان مركزًا للتنصير بين قبائل بتشوانا ، ومارسا مهنة الطب البدائي بين الناس ، فاستخفوا بهذا المركز ولم يعيروا وجوده ودعوته اهتمامًا أكثر من اهتمامهم بالذهاب إليه لمعالجة جروحهم وأمراض العيون المنتشرة بين أطفالهم ، إلى أن أغارت إحدى القبائل المجاورة على سكان بتشوانا ، فشارك موفات وصديقه في صد هذه الغارة وتنظيم صفوف المدافعين وتوجيههم مما كان سببًا في انتصارهم ، خاصة أن الطبيبين كانا يؤكدان في كل أمر يصدرانه ، بأنه آت باسم « المسيح الرب » الذي حمى قبيلتهم وهزم بقوته الروحية أعداءهم .
واستطاع موفات أن يستغل هذا الحدث الضخم في تاريخ القبيلة ، من خلال التحامه المباشر بكبارها ، حتى أعلنوا اعتناق النصرانية .
في بتشوانا ، تزوج دافيد من ابنة موفات ، واستطاع عن طريق زوجته العروس ، أن يغزو قلب سيشيله Sechele أحد ملوك بتشوانا ، ويملك هو زمام أمره ، فعرض عليه النصرانية ، ووعده بتزويجه واحدة مثل زوجته ، فطلق سيشيله كل زوجاته وحظاياه ، أملًا في الزوجة التي لم تأت ؛ إذ طلب منه دافيد أن يتنازل أولًا عن دعوى قدرته الإلهية في إسقاط الأمطار ؛ لأن هذا يتعارض مع قدرة « المسيح الرب » فاستجاب الرجل ، لكن الله يشاء أن تشهد هذه القبيلة أربع سنوات عجاف لم ينزل خلالها مطر حتى أصابها الجفاف التام ، مما اضطر دافيد إلى ترك هذا الموقع والذهاب شمالًا حيث استكشف الحياة في حوض نهر زامبيزي الذي يبدأ من الساحل الشرقي لإفريقيا وموزمبيق ويمتد إلى قلب زامبيا ، وبدأ هناك دعوته مرة أخرى ، ثم اعتاد التنقل والترحال في أدغال إفريقية الجنوبية على ضفاف حوض النهر ، على مدى ثلاثين عامًا متواصلة ، ترك خلالها آثارًا واضحة في نفوس المئات من أبناء القبائل الإفريقية ، رافضًا أن يعود إلى أوروبا ثانية ، حتى جاءه الموت فجر أول مايو سنة 1873 قرب منطقة بنجويلو Banguelo على الساحل الغربي لإفريقيا وأنجولا فدخل عليه أتباعه الزنوج الذين نجح في تنصيرهم ، وتعبيرًا عن حبهم له شقوا بطنه بسكين ، ثم نزعوا قلبه من صدره ، ودفنوه في أرضهم ، ثم نقلوا جثته إلى مكان دفن الموتى .
وفي خط متوازٍ تدفقت عدة بعثات أخرى في مناطق الكاب و النالتال والترنسفال حتى مستعمرة روديسيا ، فنزلت طائفة النصارى المنهجيين ( الميثودست) Methodistes ، وأسسوا كلية لوفديل Lovedale لتخريج المنصرين والمعلمين ، كما أسس فرانسوا كولار F . Coillard مركزًا للدعوة في روديسيا الشمالية بين قبائل باروتسي .
أما الإنجيليكان Angeliccans فقد ركزوا جهودهم في المدن وفي الغابات ، واتخذوا أساسًا في استراتيجيتهم للدعوة ألا يخالفوا أو ينفوا أي نظام قائم لدى القبائل في سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى حد أن أعلن واحد منهم يدعى كولينسو Colenso إباحة تعدد الزوجات في قبيلة كافريه Cafres فعنّفته كنيسته وحرمته من العمل بالتنصير لفترة زمنية .
وفي حين اتجهت البعثات الأمريكية إلى قبائل الزولو ، اتجه الألمان الإصلاحيون إلى الجنوب الغربي لإفريقيا ، وذهبت البعثات البرتغالية لممارسة نشاطها التنصيري في أنجولا وموزمبيق في الشمال الغربي .
وفي إحصاء غير موثق نشرته إحدى الإرساليات الأمريكية عن انتشار الكرازة ( الدعوة ) النصرانية في اتحاد جنوب إفريقيا عام 1953م جاء على الوجه الآتي:
-الميثودست 000,100,2 نسمة .
-الإنجيليكان 000,800 نسمة .
-الكاثوليك 000,650 نسمة يتركز أغلبهم في ردويسيا الشمالية .
-البروتستانت الهولنديون 000,600 نسمة تميزوا بالنعرة العنصرية ، وجعلوا من الكنائس التي أنشؤوها ما هو خاص بالبيض وما هو خاص بالزنوج والملونين .
التنصير في شرق إفريقيا:
يضم شرق إفريقيا عدة ممالك شهيرة ، استأثر الجهد التنصيري من بينها بمنطقة تنجانيقا ( تنزانيا حاليًا ) و كينيا و أوغندا و رواندا وشطرًا من جنوب السودان .
وقد استطاع المسلمون أن يحققوا مكاسب ضخمة في هذه الممالك كلها خاصة بعد أن كانت الهجمات البرتغالية الأولى قد طردت المسلمين منها ، ثم استردها المسلمون ثانية ونشطت دعوتهم وتثبتت أصولهم في السنوات الأولى من بداية القرن التاسع عشر .
واستطاعت إنجلترا أن تحط بقواتها في زنجبار عام 1840م بعد أن أخضعت مصر للنفوذ الأوروبي ، وكان نفوذ مصر يمتد جنوبًا حتى أوغندا ، ثم توسع المحتلون في احتلال الأراضي وقهر ملوك القبائل وسرقة أراضيهم وحيواناتهم مما أفسح الطريق أمام بعض البعثات للعبور إلى كينيا ، واستطاع أحد المبشرين الألمان يدعى كرابف Krapf بأن يؤسس أول مركز للتنصير في مدينة ممبسة ، وقام هذا المركز بترجمة كتابهم المقدس إلى اللغة السواحلية ، مما فتح أمامهم آفاقًا رحبة ومستحدثة للدعوة النصرانية ، فأسس مركزًا آخر بمدينة بوجامايو Bogamayo على الساحل المواجه لجزيرة زنجبار ، بالتعاون مع منصر آخر يدعى ربمان Rebmann .
فلما اكتشف أحد القبطان المسلمين ويدعى سليم في العام 1842م منطقة البحيرات العظمى ، وتمكن لأول مرة من اختراق عقبة السودان النباتية مما جعل النيل منفذًا مفتوحًا إلى سكان البحيرات الاستوائية ، هرعت قوات الاحتلال إلى المنطقة وبسطوا سلطانهم عليها ، وما لبث أن أرسل جريجوري السادس بابا روما في العام 1846م بعثة تنصيرية ضخمة ، أنشأت ما أطلق عليه: نيابة إفريقيا الوسطى الرسولية ، يبدأ نشاطها من قلب القاهرة ويمتد إلى جنوب أوغندا ، ثم أرسلت أول بعثة كاثوليكية معتمدة إلى جنوب السودان لاختراق قلب إفريقيا بقيادة الأب ريلو Rullo . فكان ذلك بمثابة الاختراق الأول لجدار الدعوة الإسلامية في منطقتي شرق إفريقيا ، وإفريقيا الاستوائية .
وبرغم هذا الجهد النشط في حماية السلطات المحتلة ، فإن دعوة النصرانية ظلت محصورة في المناطق الساحلية دون القدرة على اختراق المناطق الداخلية التي كانت تنتشر فيها دعوة الإسلام .
بل ويؤكد ز . هيل و تونوالو في كتاب لهما صدر عام 1974م ، أن طوائف تنصيرية متعددة قد توقف نشاطها تمامًا مثل الفرنسيسكان ، وأُغلِقَت مراكز تنصيرية مثل مركز تنصير ( كاكا ) عام 1862م [6] .