وهكذا سالت دماء المئات والألوف من أبناء إفريقيا بأيديهم ثمن هذه الفتنة ، إلى أن لجأت كل الإرساليات النصرانية إلى أسلوب جديد ، يحافظ على الطقوس والعبادات الوثنية التي تربط بين القبائل بعضها ببعض ، والإبقاء عليها إلى جانب طقوس النصرانية وعباداتها ، وإن اختلف ذلك عن أصولهم العقدية ، وهو ما وصفوه بالنسبة للنصراني الزنجي الجديد بكلمتي « الموت الذاتي » أو « الاحتضار المعنوي » للدلالة على خطورة ذلك الانقلاب في حياة الرجل الإفريقي .
ولكن برغم الجهود الجبارة التي بُذِلَت ، والأموال الطائلة التي أنفقت ، وعشرات الأرواح التي أُزهقت بين المنصرين بسبب الأمراض التي كانت تنتشر في البلاد الإفريقية ، فإن حصاد النصرانية كان شيئًا لا يذكر ولا يتناسب مع الجهود والأموال والتضحيات التي خسرتها الكنائس وإرسالياتها ، حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
إذ مع الحرب العالمية الأولى على وجه الخصوص ، ولأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة ، يمكن القول إن النصرانية بدأت تجني ثمار كل السنوات السابقة ، وأن تعيد الحيوية إلى البذور التي تناثرت هنا وهناك وحافظت على بقايا طقوس تنتمي إلى عقيدة النصارى بشكل مباشر أو غير مباشر .
مع بداية القرن العشرين تنبهت الكنائس الغربية إلى أخطائها في أساليب الدعوة على سواحل إفريقيا ، ففرضت على أعضاء البعثات والإرساليات اتباع خطط مرسومة تقضي بدراسة تلك البيئات دراسة شاملة ، وتَفَهُّم نظمها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها ولغاتها .
كما فرضت على الأعضاء ضرورة الاختلاط بالسكان وقبول بعض طقوسهم الدينية الوثنية وتقديرها بما يرضي الوثنيين ، بل ومحاولة إيجاد مساحة لذلك القبول في العقيدة النصرانية ، وعدم العمل على محوها ، إنما التغلغل فيها والاستفادة من أي بذور صالحة بها ، وقبول بعض العادات الوثنية واعتبارها عادات نصرانية تحتفل بها الكنيسة .
كما تنبهت الكنيسة الغربية إلى ضرورة إعداد وتدريب وتعيين قسس من الإفريقيين ، وإنشاء مدارس ومعاهد لهذا الهدف بدعم مباشر من بابا روما بيوس الحادي عشر ، ثم بيوس الثاني عشر .
لكن كلمات هوبير ديشان [1] ما زالت تحفر حروفها في عقل الكنيسة الغربية يوم أن قال: « لكن كسب الإسلام لأقوام جديدة ما زال يندفع كالسيل يكتسح ما أمامه ، وامتداده في المناطق العريضة نحو الشمال وإلى الشرق رائع حقًا ، أما مطاياه إليها فكانت اللغات الواسعة الانتشار في التفاهم ، وهي لغات قبائل أولوف و بيل و ماندانج و هوزا و السواحلية .
ثم يقرر ديشان قائلًا: « وسوف تظل المواجهة بين الإسلام والنصرانية في إفريقيا ، وسوف تظل أيضًا مصائر هذه القارة متوقفة على إجابة السؤال: ترى أيهما ينتصر ؟ الإسلام الشرقي أو المسيحية الغربية » [2] .
الإرساليات الأولى على سواحل إفريقيا:
في العام 1491م أعلن أول ملك من ملوك إفريقيا اعتناقه للعقيدة النصرانية وهو ملك الكونغو ، الذي مات بعد تنصُّره مباشرة ، وخلفه على العرش ابنه ، فعمّدته إحدى الإرساليات التنصيرية باسم « ألفونسو » وزَّوجته واحدة من بناتها ، فلما أنجب « ألفونسو » ولدًا منحه منصب أسقف عام الكونغو ، وأصدر قرارًا بتغيير اسم العاصمة من بانزا كونغوا Mbanza Congo إلى اسم ساو سلفادور إحدى المناطق الشمالية بأنجولا الآن ، وأعد مجموعة من أهالي البلاد للدعوة إلى دين النصرانية ومنحهم رتبة القساوسة .
في العام 1610م أسس البرتغاليون أسقفية نصرانية في مدينة لواندا Loanda على ساحل أنجولا الشمالي ، لكنها لم تحرز أدنى نجاح في أداء مهمتها فأغلقت أبوابها على من فيها لعدة سنوات ، ثم بيعت بعد ذلك .
في العام 1630م اعتنق زعيم مومباسا Mombaz ( ممبسة ) على الساحل الشرقي لكينيا عقيدة النصرانية ، لكنه سرعان ما رجع عنها واعتنق دين الإسلام .
في العام 1651م أعلن مونوموتابا Monomotapa ملك موزمبيق تركه للوثنية واعتناقه للنصرانية ، استجابة لدعوة إرساليتين إنجيليتين كانتا قد استقرتا في حوض نهر زامبيزي ، إحداهما يسوعية والأخرى دومينيكانية ، أغدقا عليه الأموال ، وسارا معه في استخدام الأرواح التي كان يعتقد بها في وثنيته .
وفي العام 1665م أتت هجمة تنصيرية بروتستانتية من هولندا إلى سواحل جنوب إفريقيا ، فقامت بتدمير جميع المؤسسات والكنائس والإرساليات التي كان قد أسسها البرتغاليون من قبل ، ثم وضعوا أيديهم على منطقة رأس الرجاء الصالح ؛ حيث نزل على أرضها أول قسيس بروتستانتي ، لا ينافسه قسيس آخر من أي ملّة نصرانية أخرى .
وهكذا ، منذ بداية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن السابع عشر النصراني وبداية القرن الثامن عشر ، بقيت الدعوة السائدة بين وثنيات إفريقيا الجنوبية ، هي دعوة الإسلام ، لإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهلية وعبادة الأمطار والأنهار والجن والأحجار إلى عبادة الواحد القهار ، وبقي الوجود النصراني محصورًا ومحاصرًا في بقع محدودة للغاية .
ويعلن هوبير ديشان مؤلف كتاب الديانات في إفريقيا السوداء [3] قائلًا: « لكن تلك الجهود كلها ، قضى عليها اضطراب الأحوال السياسية ، والثورات ، والجيوش التي كان يستعين بها تجار الرقيق ، وارتداد الكثيرين إلى عقائدهم الوثنية القديمة ، ولم يبق من كل ذلك إلا علامة الصليب التي اندمجت في المراسيم الوثنية » .
مائة عام بلا حصاد:
مع بداية القرن الثامن عشر دخل الأسبان ميدان التنصير ، بعد ما سمي بثورة الإصلاح في فرنسا عام 1769م ثم في أوروبا كلها ، ورحلت عدة بعثات تنصيرية كقوافل طبية وتجارية إلى عدة مناطق ، ولاقت إقبالًا كبيرًا من بعض الملوك الوثنيين ، وبقايا من النصارى والمتنصرين .
فقد وجه الملك ألادا Allada ملك داهومي ( بنين ) الدعوة إلى إحدى هذه البعثات ، لتنشيط حركة التجارة في بلاده ؛ فلما استوضح غرض البعثة وهي التنصير طردها من بلاده وأوقف كل نشاط مع الهيئات الأوروبية .
فلجأت بعثة تنصيرية فرنسية إلى أسلوب آخر ، وهو دعوة الملوك أو أبنائهم لزيارة فرنسا ، فدعت أنيابا Aniaba ابن أمير ساحل العاج ، لزيارة الكنيسة الفرنسية الكبرى ، بمدينة سايل ، حيث أعلن الابن نصرانيته وخضع للتعميد الذي قام به القس الشهير بوسيويه Bossuet ، فكان لذلك الحدث رد فعل كبير لدى السلطة الكنسية الفرنسية ، التي استضافته في قصر الملك لويس الرابع عشر ، حيث أعلن الابن اتخاذ الملك أبًا روحيًا له ، فلما عاد أنيابا إلى بلاده ساحل العاج ، أعلن ارتداده عن النصرانية والعودة إلى الوثنية دين آبائه .
ومثلما فعل نصارى البرتغال وهولندا وفرنسا ، حاولت الكنيسة الألمانية أن تحقق شيئًا في مواجهة المد الإسلامي بإفريقيا ، فاختارت العمل بين قبائل تعرف بالهوتنتوت ولكنها لم تحقق أي نجاح .
ويقول هوبير ديشان: « حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كل أرجاء إفريقيا عشرين ألفًا من البيض ، وبضع مئات من العبيد ، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في إفريقيا السوداء ، إذا استثنينا نقطًا ضئيلة على الساحل » [4] .
ثم يستشهد ديشان على صدق استنتاجه هذا بما كتبه المنصر الإنجليزي وليم شو W . show عام 1823م من مكتب إرساليته بمستعمرة رأس الرجاء الصالح قائلًا: « إنه لا يوجد أي بعثة تنصيرية فيما بين المكان الذي أعيش فيه وبين أبعد نقطة في شمال البحر الأحمر » [5] .
التركيز الصليبي على الجنوب الإفريقي: