فهرس الكتاب

الصفحة 2849 من 3028

أدت البعثات النسوية دورًا كبيرًا في خدمة الكنائس والمنظمات والجمعيات التنصيرية في إفريقيا منذ وقت مبكر للغاية ، وتذكر الوثائق المتاحة أن من أشهر الإرساليات النسوية التي نشطت في هذه المنطقة كانت إرسالية الراهبات البيضاوات ، وكلمة البيض أو البيضاوات تشير مباشرة إلى أن هذه البعثات بروتستانتية عنصرية .

ثم إرسالية سيدة الرسل ، وإرسالية الراهبات الزرقاوات ( كاثوليك في مواجهة البروتستانت البيض ) ، وإرسالية راهبات الروح القدس .

أما القوة المحركة التي أثارت كل همم الكنائس النصرانية الغربية للعمل النسوي في إفريقيا ، فكانت لفتاة فرنسية ريفية تدعى جافوهي Javouhey لم تكمل عامها الثامن والعشرين عندما أسست عام 1806م جمعية سان جوزيف الكلوثي للدعوة النصرانية بين أبناء قريتها والقرى المجاورة .

وفي العام 1819م أبحرت بدعم من الكنيسة الأم على رأس أول إرسالية نسائية إلى منطقة السنغال ، فأنشأت عدة مشاريع يدوية ، ومستوصفات علاجية ، وفصولًا تعليمية كنسية ، استطاعت من خلالها أن تخترق جدار السلطات الإقليمية الحاكمة التي مهدت لها السبل لممارسة نشاطها ، وكانت هي بدورها لا تألو جهدًا لتمهيد كل السبل أمام الإرساليات النسائية التي تدفقت إلى إفريقيا ، خاصة في منطقة السنغال وغينيا وساحل العاج ، حتى أطلق عليها لويس فيليب ملك فرنسا حينذاك ، لقب الرجل العظيم .

كلمة أخيرة:

وبعد هذه الإطلالة السريعة على تاريخ التنصير في إفريقيا نجد أن من موضوعية الطرح أن نستعيد السؤال الذي طرحه منذ نصف قرن من الزمان هوبير ديشان أحد حكام المستعمرات ( المستعمرات مصطلح خاطئ وصوابه قوات الاحتلال ) وهو: ترى أيهما ينتصر: الإسلام الشرقي ، أو المسيحية الغربية ؟ فالقضية بحق يشهد عليها الواقع ، ويثير هذا الواقع عشرات المسائل والخطط التي يمكن أن يستدعيها خاطر المسلم الغيور على دينه ، خاصة إذا ما تأكدنا أن ما كتبه أ . ل . شاتليه ، ما زال متجسدًا أمام عيوننا ، حينما كتب يقول على لسان أحد القسس العاملين في إفريقيا: « إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا ، لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضًا ، لا من جهل السكان ، ولا من وثنيتهم ، ولا من مناضلة أمة من الأمم ، غير أمة العرب ، فليس خصمنا غير الشيخ الذي يملك نفوذًا أكثر مما هو للفرسان المحاربين » [7] .

وهذا هو ما كرره بصياغة أكثر يأسًا القس جاير ديز أحد كبار قساوسة أوروبا ، أمام مؤتمر أدنبره الشهير ، حينما قال عن دعاة الإسلام معبرًا عن سخطه: « كيف يمكن التعامل مع هذه الأشياء ؟ لقد وجدنا في رحلتنا الأخيرة عبر إفريقيا القبائل على نهر شاري ، وجداول الكونغو وما بين الدرجات العاشرة والخامسة من خط العرض الشمالي ، كلها تدين بالإسلام أما تلك الزوايا التي تنتشر في القرى والسهول والأدغال بشكلها غير الحضاري والمضاد للعصرية تمامًا ، فإنها رأس النبع للمد الإسلامي في أنحاء إفريقيا ، الذي يحتاج من الكنائس أن تتوحد في مواجهتها وتوجيه ضربة قاسية لها [8] .

ثم يستطرد قائلًا: « إن شمال نيجيريا يجب أن يكون النقطة الأكثر أهمية ، مع إنشاء مركز كبير لمختلف الكنائس في أقصى الغرب ، ومحاولة الدخول إلى مناطق المسلمين ، أما أوغندا فإن كانت توجد بها كنائس فهي أشبه بجزر في بحر الإسلام ، لا تستفيد من الوجود القوي لحكوماتنا الأوروبية في المنطقة ، خاصة في شرق إفريقيا ؛ حيث يجب أن نحتل كل قوة وكل مركز استراتيجي للمسلمين لنخضعه للمراقبة ، وهذا يتطلب التعاون الوثيق في الساحل الشرقي الذي طالما اشتقنا إليه في بلادنا [9] .

الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى إفريقيا [10] :

-إن حجم الوسائل والتقنيات الحديثة المستخدمة في التنصير أصبح من الضخامة إلى حد ضرورة عمل دراسات متخصصة لمعرفة هذه الوسائل والتقنيات ، ونوع الرسالة التي تقدمها ، ومضمون هذه الرسالة والمساحة الجغرافية التي تغطيها ومدى تأثيرها ، وهنا نشير فقط إلى أحد الوسائل المعاصرة وهو البث الإذاعي ، من خلال عشرات المحطات المنتشرة في إفريقيا وخارجها ، نذكر منها:

-إذاعة حول العالم Transworld Radio - Twr ( تأسست عام 1954م ) تملك محطات للبث واستديوهات لإنتاج وإعداد البرامج الدينية في أكثر من خمسين دولة في العالم ، أما إرسالها فيوجه على الموجات المتوسطة والقصيرة بأكثر من خمس وثلاثين لغة من بينها العربية .

-إذاعة راديو الفاتيكان Radio Vatcan ( تأسست عام 1931م ) تملك أكبر وأقوى أجهزة بث أرضية على مستوى العالم ، وتقدم خدماتها بأكثر من سبع وأربعين لغة ولهجة من بينها العربية .

-محطة KGEL التنصيرية: توجه بثها من كاليفورنيا بأمريكا ، بأكثر من ثلاثين لغة .

-راديو صوت الإنجيل Radio Vooice of the Gospel - RVOG: يبث إرساله من أديس أبابا بثلاث عشرة لغة على الموجتين المتوسطة والقصيرة إلى غرب وجنوب إفريقيا .

-المحطة الدينية النصرانية: ELWA: تبث برامجها من ليبيريا على مدى 40 ساعة يوميًا .

-المحطة الكنسية بأنجولا: تبث برامجها بست لهجات محلية .

-محطة الكنيسة البرتغالية في موزمبيق: تبث برامج بكل اللهجات المحلية إلى جانب اللغة البرتغالية .

(*) رئيس مركز التنوير الإسلامي القاهرة .

(1) هوبير ديشان: حاكم المستعمرات الفرنسية في إفريقيا (سابقًا) وأستاذ بمعهد الأجناس البشرية ومعهد الدراسات السياسية بجامعة باريس .

(2) هوبير ديشان: ترجمة أحمد صادق حمدي ، راجعه الدكتور محمد عبد الله دراز: الديانات في إفريقيا السوداء ، إشراف إدارة الثقافة العامة بوزارة التربية والتعليم بمصر ، سلسلة 1000 كتاب ، دار الكتاب المصري ، القاهرة 18957 ، ص 156 .

(3) هوبير ديشان: مصدر سابق ، ص 190 .

(4) هوبير ديشان: مصدر سابق ، ص 157 .

(6) أ ل شاتلين ، ترجمة محب الدين الخطيب وآخر: الغارة على العالم الإسلامي ، القاهرة ، 1931م، ص 15 17 .

(8) و ت هـ جاير دنر ، ترجمة محمود الشاذلي: الوثيقة الإسلام الخطر ، المختار الإسلامي ، القاهرة ، 1985 ، ص 30 36 .

(9) و ت هـ جاير دنر ، ترجمة محمود الشاذلي: الوثيقة الإسلام الخطر ، المختار الإسلامي ، القاهرة ، 1985 ، ص 30 36 .

(10) كرم شلبي: الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى المسلمين العرب ، مكتبة التراث الإسلامي ، 1991م (المقدمة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت