فهرس الكتاب

الصفحة 2799 من 3028

وقد أكد المستعمرون على أهمية عمل المبشرين، وصرحوا بالمهمات المنوطة بهؤلاء الرهبان فقال نابليون الأول في جلسة مجلس الدولة عام 1804م:"إن في نيتي إنشاء مؤسسة الارساليات الأجنبية، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عونًا كبيرًا لي في آسيا وأفريقيا وأمريكا، سأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نوايا اقتصادية أو سياسية".

ولما عقد مؤتمر الكنائس المسيحية في سالونيك باليونان (1959م) أكد المؤتمر على مساهمة الكنائس للجاسوسية لحساب المستعمر، فطالب"الكنائس في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أن تراقب خطة التنمية، فتميز بين ما يتفق وإرادة الله وبين عمل الشيطان".

وفي مؤتمر دلهي (1961م) قالوا"الكنيسة يجب أن تكون متأهبة للصراع مع الدولة في أي وطن،وتحت أي نظام سياسي". (28)

وينقل المبشر جاك مندلسون قول ملك فرنسا"الدين ضروري لكل الناس، لكنه أكثر ضرورة في المستعمرات الآهلة بالعبيد التي لايمكن أن تحوي أملًا في حياة أفضل إلا بعد الموت"فالدين يستعمله هؤلاء الساسة في تخدير الشعوب، وليكون مطية يحكمون من خلالها الخناق على الشعوب.

وينقل القس المبشر مندلسون ثانية شعور المستضعفين الذي سرقت بلادهم وثرواتهم من قبل تحالف الاستعمار والتبشير فيقول:"إن المبشرين جاءوا إلينا وقالوا: إننا نريد أن نعلمكم العبادة، وقلنا: حسنًا. إننا نريد أن نتعلم العبادة. وطلب المبشرون منا أن نغلق أعيننا، وفعلنا ذلك، وتعلمنا التعبد، وحينما فتحنا أعيننا وجدنا الإنجيل في يدنا، ووجدنا أراضينا قد اغتصبت".

ثم يواصل مندلسون فيقول"لقد تمت محاولات نشيطة لاستعمال المبشرين، لا لمصلحة المسيحية، وإنما لخدمة الاستعمار والعبودية"

يقول رئيس الأساقفة لونز ماركس في عام 1960م عن نشاط الإرساليات الذي يديره في موزمبيق:"إن النشاط الإرسالي يمنح البرتغال فخرًا في المنظمات العالمية السامية، ويكون سندًا قويًا للسيادة البرتغالية". (29)

ومن المهمات التي أداها التبشير للاستعمار تجميل صورته القبيحة التي رسمها بظلمه وجبروته عند الناس يقول رينيه بوتيه في كتابه"الكاردينال لا فيجيري":"إن العمل الوطني الذي قام به لافيجيري بدأ مع عمله التبشيري، بدأ بنشره على السوريين تلك العطايا التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية، إنه جعل فرنسا محبوبة ( لدى السوريين ) ، وأضاف إلى الحقوق القديمة التي كنا نملكها نحن الفرنسيون على تلك المنطقة حقوقًا جديدة.... في الجزائر استطاع أن يهب كل ما في استطاعته لإظهار حبه لفرنسا.... أراد لافيجري أن يحبب فرنسا إلى الناس باسم المسيح". (30)

ويقول القس سيمون في مؤتمر لكنو في الهند ( 1911م ) :"إن العامل الذي جمع هذه الشعوب ( الإسلامية ) وربطها برابطة الجامعة الإسلامية هو الحقد الذي يضمره سكان البلاد للفاتحين الأوربيين، ولكن المحبة التي تبثها إرساليات التبشير النصرانية ستضعف هذه الرابطة، وتوجد روابط جديدة تحت ظل الفاتح الأجنبي". (31)

وقد كان إغراء الساسة ببلاد المسلمين واستعمارها أحد أعمال المبشرين، يقول المبشر إشعيا بولمان في مجلة"العالم الإسلامي"بأن الخوف من الإسلام ينبغي أن لا ينساه الغربيون، ذلك أن الإسلام كما يقول إشعيا بومان يتسع دائمًا متسلحًا بالجهاد، وما من أمة حاولت قهره إلا وخسرت أضعاف ما خسر، ولذا فهو يقترح اتفاق فرنسا وبريطانيا على سياسة السيطرة على الشواطئ الإسلامية حتى تصل بسهولة الإمدادت العسكرية.

وهذا ما صنعه الإيطاليون حين جاءوا إلى ليبيا، وغيرهم فعل مثله عند احتلالهم بلاد المسلمين. (32)

والذي دفع حركة التبشير إلى التفاني في خدمة الاستعمار والتمكين لهم إيمانهم بأن نجاح التنصير متوقف على نجاح الاستعمار وبقائه، وهو ما عبر عنه المنصر لورانس براون حين قال"لم يحدث انتقال واسع من الإسلام إلى النصرانية في قطر ما إلا بعد أن يخضع ذلك القطر لحكومة غربية مسيحية". (33)

ولما وقع التنافس بين المستعمرين وتضاربت مصالهحم؛ انعكس ذلك على الآباء المبشرين الذين كانوا في الحقيقة جنودًا مدنيين للاستعمار، فوقع بين المبشرين الفرقة، ودب بينهم ما بين الساسة من تخالف وتنافس، كما حصل بين الإرساليات التبشيرية في لبنان والتي كان كل منها يتبع دولة استعمارية معينة، ولذا أيضًا استأصلت انجلترا وفرنسا جميع المبشرين الألمان من مناطق نفوذهما، ولم تسمح انجلترا في وقت لاحق لغير مبشريها بالعمل في مناطق نفوذها إلا حين الحصول على إذن مسبق.

يقول المبشر هنري جب:"إن المبشرين استغلوا جهودهم لخدمة دولهم. (34) "

وفي المقابل فإن المستعمرين ردوا الجميل للمبشرين بأن فتحوا لهم البلاد على مصاريعها فيقول بوجو سكرتير الحاكم الفرنسي في الجزائر مخاطبًا القس سوشيه الوكيل العام لأسقف الجزائر:"إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين عامًا لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا الشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكننا أن نشك على أية حال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد."

أما العرب فلن يكونوا ملكًا لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعًا". (35) "

ولم يكتف المستعمرون بالكلام ودغدغة العواطف، بل شرعوا يصدورن المراسيم والقوانين التي تسهل عمل المبشرين، ففي عام 1900م أمر الاستعمار البريطاني لكينيا أن يكون التعليم في العاصمة ممباسا إجباريًا، وتولت البعثات التبشيرية تعليم الطلاب في ممباسا حيث افتتحوا أربعة مدارس ابتدائية، ثم أسندت السلطات لهؤلاء المتعلمين في مدارس التبشير وظائف رسمية حكومية بحجة أنهم متعلمون.

وفي عام 1930م أقيم مؤتمر كنائس في قرطاجة بمناسبة مرور 1600 سنة على موت القديس أوغسطينوس، وأجبرت تونس على قبول ذلك المؤتمر على أراضيها المستعمرة من قبل فرنسا حينذاك، دفع التونسيون من خزينتهم على مليوني فرنك فرنسي، وحين ثار المسلمون على عقد هذا المؤتمر في بلد إسلامي تولت الجيوش الاستعمارية الفتك بالشباب الثائرين، وزجت بهم في السجون.

وفي عام 1931م أصدر شوفلر مسئول فرنسا في بلاد العلويين قرارًا يسهل الانتقال إلى النصرانية، فسهل الإجراءات أمام المتنصرين، وجعل ذلك يتم في جلسة لمحكمة عادية، وألغى الإجراءات المعقدة التي كانت قائمة حينذاك. (36)

وفي الجزائر دفع القائد الفرنسي روفيجو بأجمل مساجد الجزائر ليحوله إلى كادرائية الجزائر ويتحدث القس سوشيه الوكيل العام لأسقف الجزائر في كتابه"رسائل مفيدة ومشوقة عن الجزائر"فيقول واصفًا الجنرال الفرنسي فاليه:"إنه يرغب أن يستتب الدين المسيحي، وأن يحترمه الجميع إنه يريد أن يضاعف من عدد الصلبان والكنائس في الجزائر. إن مولاي - الملك - يستطيع أن يفعل ما يشاء مع رجل مثل المسيو فاليه الذي اختار أجمل مسجد في قسطنطينة ليجعل منه أجمل كنيسة في المستعمرة". (37)

ولم تتوقف العلاقة بين حركتي التبشير والاستعمار عند نقطة المصالح المشتركة بل إنا نجد أن الأخلاقيات السيئة للاستعمار من قتل وبطش قد حصلت بمباركة وأحيانًا بمشاركة رجال الكنيسة.

ويقول المسيو أوجين يونج وكيل حكومة التونكين الفرنسية في كتابه"استعباد الإسلام - الحرب الصليبية الجديدة"بأن بابا الفاتيكان يخطط دون ملل وكلل لحروب صليبية جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت