ففي عام 1830 غزت فرنسا الجزائر، وقد صحب الجنرال الفرنسي بورمنت ستة عشر قسيسًا، وقال لهم بعد سقوط مدينة الجزائر:"إنكم أعدتم معنا فتح الباب للنصرانية في أفريقيا، ونأمل أن تنبع قريبًا الحضارة التي انطفأت في هذه الربوع."
فيما وصل أول المنصرين إلى السودان عام 1265هـ ( 1848م ) بأمر من البابا جريجوري السادس، وكان قد أمر عام 1263هـ بإنشاء نيابة أفريقيا الوسطى الرسولية. وكانت الإرساليات التبشيرية قد زعمت أنها أتت لمحاربة تجارة الرقيق التي استشرت في أوربا، ورأت أن الوسيلة المثلى للقضاء عليها هي تتبعه في أماكن تصديره كما نص على ذلك مذكرة بوكستن المقدمة للحكومة البريطانية عام 1254هـ.
وقد مني التبشير والاستعمار بنكسة كبيرة بسبب ثورة المهدي 1302هـ فقتل الجنرال غوردون، وعلقت لجنة إدارة الإرساليات نشاطها في السودان، ثم عادت مع عودة الجيش البريطاني بقيادة كتشنر.
وقد عمل المستعمر البريطاني على تقسيم السودان أمام الإرساليات التبشيرية إلى قسمين: أولهما: القسم الشمالي وهو منطقة شبه محرمة يمنع العمل التبشيري فيها إلا في حدود ضيقة، وقد سمح للمبشرين بالاهتمام بتحرير العبيد ودعوة الوثنيين. ثم سمح لهم بإقامة مراكز طبية في الخرطوم، والذي دفع المستعمر البريطاني لهذا التضييق هو خشيتهم من ثورة مشابهة لثورة المهدي في القسم الشمالي المسلم.
وأما القسم الثاني فهو جنوب السودان، وقد فتحت أبواب التبشير فيه على أكمل وجه، وتقاسمته الإرسالية البريطانية والأمريكية، وكان العمل في جنوب السودان على مرحلتين: أولاهما: التخلص من الوجود الإسلامي بمحاربة العرب ولغتهم وإبعادهم بواسطة أوامر إدارية (من المستعمر) تنقل الموظفين المسلمين إلى الشمال المسلم، كما منعوا وصول التجار المسلمين إلى الجنوب، وشجعوا اللغة الإنجليزية على حساب العربية.
وتنفيذًا لهذا كله قامت الكنيسة بفصل أسقفية الجنوب عن مصر وشمال السودان في عام 1345هـ، وألحقت بهذه الأسقفية الجديدة ( أسقفية أعالي النيل ) كنيسة أوغندا، ورسم أول أسقف سوداني في الجنوب عام 1955م، وهو الأسقف دانيال ينج. (22)
وفي مصر تحولت الإرساليات التبشرية عن العمل في كثلكة الأرثوذكس إلى تنصير المسلمين بعد وصول القوات البريطانية عام 1300هـ، وفي عام 1320هـ ( 1902م ) أجاز المؤتمر العام للكنيسة المسيحية بمصر مشروع تنصير المسلمين، وقد أكد مؤتمر القاهرة 1324هـ على"أن الهدف الأساسي للإرسالية في مصر هو إقامة كنيسة وطنية من المسلمين المتنصرين"وقد أصبحت هذه السياسة أكثر وقاحة بعد القضاء على الثورة 1339هـ، ويؤكد المبشر مارسون التابع للكنيسة البريطانية ( 1346هـ ) هذا الاتجاه ويبين أن سببه فشو الإسلام بين الأقباط، فيقول:"تؤكد الاحصائيات حتى في هذه السنين بأن الذين يتحولون من الكنيسة القبطية للإسلام لايقلون عن خمسمائة قبطي سنويًا". (23)
وفي سوريا بدأ التبشير خارج إطار النصارى بعد دخول الاحتلال الفرنسي، حيث دخل الفرنسيون إلى جبال العلويين ، واستكتبوا رجلًا يدعى محمد تامر زعم أن قبائل العلويين من أحفاد الصليبيين، وقد تنصرت اثنتان وعشرون أسرة ( قرابة 80 شخصًا ) ، وعمدوا في جنينة ( حديقة ) رسلان في أغسطس عام 1930م.
ثم ذهب الأب شانتور رئيس الجامعة الأمريكية بعد ذلك بشهرين مع خمسة من المبشرين، وأسسوا ثلاث مراكز للتبشير في المنطقة. وكانت فرنسا والولايات المتحدة قد وقعتا في عام 1924م اتفاقًا يسهل عمل المؤسسات التبشيرية ويمنع تقييد عملها في المناطق المحتلة من قبل فرنسا. (24)
المبحث الثالث: العلاقة بين التبشير والاستعمار
ويطرح السؤال نفسه هل ثمة علاقة بين العلاقة الاستعمارية والحركة التبشيرية ؟ وهل من الممكن أن يلتقي الجنود القساة الذين يقتلون الأبرياء ويسرقون قوت الشعوب هل من الممكن أن يلتقي هؤلاء مع الذين أمروا بمحبة أعدائهم ومباركة لاعنيهم (انظر متى 5/44) ؟
وما الذي يجمع المبشر وهو يحمل رسالة دينية مع المستعمر الذي يحمل رسالة دنيوية ؟ وهل اللقاء بين الجانبين مجرد لقاء عابر فرضته ظروف وحدة المنشأ بين التبشير والاستعمار (أوربا) أمر أن هناك علاقة حقيقية تجمع هاتين الحركتين ؟
وفي الإجابة عن هذا كله نقول بأن التبشير والاستعمار وجهان لعملة واحدة، فالمبشرون هم الواجهة الدينية للمستعمر، والاستعمار هو الحقيقة الاقتصادية والسياسية للمبشرين.
وهذا الأمر يتضح عند دراسة العلاقة الحميمة بين الحركتين اللتين تزامنتا طوال التاريخ المسيحي، بل إن الحروب الصليبية التي شنت على العالم الإسلامي طوال قرون طويلة هي حلقة من سلسلة الترابط والوحدة بين التبشير والاستعمار، فلقد قام ملوك أوربا بتلك الحروب بمباركة الكنيسة، ولبى الأوربيون نداء الملوك لهذه الحروب طمعًا في الملكوت الذي وعدهم به بابوات الكنيسة.
وقد بدأت خطوات الاستعمار تدب من جديد مع بداية حركة الكشوف الجغرافية التي قادها الأسبان والبرتغال، وانطلقت سفنهم تمخر البحار وهي ترسم على أشرعتها شعار الصليب.
وقد أصدر البابا نيقولا الخامس مرسومًا في عام 1454م يعطي البرتغاليين حقًا في أراضي حقًا في أراضي الكفرة على الساحل الغربي لإفريقيا، وأكد ذلك البابا كالكستس الثالث عام 1456م، ثم أصدر البابا اسكندر الثالث في عام 1493م مرسومًا يمنح التاج الأسباني الحق المطلق في المتاجرة مع البلاد التي اكتشفت، ووضع قيدًا، وهو أن تجلب تلك الشعوب إلى المسيحية. (25)
ومن جانب آخر فإن الحركة التبشيرية وليدة أطماع استعمارية صليبية، وقد وضع أسسها الملك لويس التاسع حينما كان في سجن المنصورة فكتب داعيًا إلى"تحويل الحملات العسكرية الصليبية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه، لا فرق بين النوعين إلا من حيث نوع السلاح المستخدم في المعركة.... تجنيد المبشرين الغربيين في هذه المعركة السلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنويًا، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنودًا للغرب."
وقد أجاب المبشرون إلى هذه الحرب الصليبية الجديدة فيقول القس مييز:"إن الحرب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه".
ويقول اليسوعيون"ألم نكن نحن ورثة الصليبين... أولم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتحدي المسيحي... وهكذا تستطيع الكنيسة المسيحية بلا حرب أن تسترد تلك المناطق التي خسرتها منذ أزمان طوال". (26)
وقد عمل الكثيرون من رجال الكنسية تحت مظلة الاستعمار، وداروا في فلكه، فقد تولى الراهب دولا فورست طلب الامتيازات للفرنسيين من الباب العالي، وكان أول سفير لفرنسا في الأستانة عام 1583م، كما عين الأمريكيون المنصر ناثان قنصلًا للولايات الأمريكية بالإنابة في طنجة، وعين المنصر تاهنسال قنصلًا للنمسا في الخرطوم سنة 1293هـ، وكان المنصر لا فيجري الفرنسي رئيسًا للبعثة المرافقة للجيش الفرنسي المحارب في القرم، وتولى المنصر جون فان أيس خلال الحرب العالمية الأولى أمر القنصلية الأمريكية في البصرة. (27)