كما أن النظرة الاستعمارية الفوقية للشعوب المستعمرة هو أمر آخر تأثرت به حركة التبشير، وفي ذلك يقول ستيفن نيل:"في القرن التاسع عشر خضع المبشرون إلى العقد الاستعمارية التي تقول بأن الرجل الغربي فقط هو الإنسان بكل ما تعنية هذه الكلمة ... فحتى عام 1914م لم يكن لدى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية أي أسقف من أصل غير أوربي - سوى أربعة -.... طالما كان الجنس الأبيض في استطاعته أن يقدم موردًا لا ينضب من الأساقفة فإنه لا يمكن أن يوجد رجل واحد من الأجناس الصفراء والحمراء والبنية والسوداء يستطيع حمل ثقل الأسقفية". (38)
وقد كان محاربة الإسلام هدفًا أصيلًا للمستعمر، ومن صوره ما ذكره الكاتبان الفرنسيان كوليت وفرانسيس جانسون فقالا:"لعل العبث بالدين الإسلامي كان هو المجال المفضل لدى القائد الفرنسي في (الجزائر) روفيجو، فقد وقف هذا القائد الفاجر، ونادى في قومه: إنه يلزمه أجمل مسجد في المدينة ليجعل منه معبدًا لإله المسيحيين، وطلب إلى أعوانه إعداد ذلك في أقصر وقت ممكن"ثم أشار إلى جامع القشاوة، فحولوه إلى كنيسة بعد شلالات من الدم، وسمي"كادرائية الجزائر". (39)
ومن أعمال المستعمر أيضًا إيجاده للفرق الإسلامية الضالة ورعايته لها، فالقاديانية والبهائية نشأتا في ظل الاستعمار ولتحقيق أهدافه، فقد نشأت القاديانية في الهند إبان الاستعمار الإنجليزي 1901م، وكان من أهم دعاوى غلام القادياني المتنبئ الكذاب أن زعم بوجوب موالاة الإنجليز وتحريم قتالهم وإبطال الجهاد بعد أن كانت حركة ابن عرفان الشهيد قد أقضت مضاجعهم عام 1842م، فكتب غلام قاديان في مقدمة كتابه"ترياق القلوب"يقول:"لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة".
ولما أراد أحمد خان بهادر ( من الهند ) أن يتقرب إلى المستعمرين الإنجليز كتب في عام 1862م كتابًا تحدث فيه عن أصالة الكتب المقدسة عند النصارى وعدم تحريفها، ثم نادى بالإلحاد، وكتب تفسيرًا للقرآن ملأه بالتحريف والتخريف، ثم بنى مدرسة سماها مدرسة المحمديين تغريرًا بالمسلمين.
وظهرت البهائية في حين سيطرة الروس على شمال إيران، ولما قتل الباب عام 1266هـ، ظهرت البهائية على يد تلميذ الباب،وما تزال إلى هذا اليوم برعاية دولة إسرائيل،ولها مركز في مدينة حيفا المحتلة. (40)
وعلى هذا المنوال نسج المستعمرون في كل بلد نزلوا فيه، فاثاروا الفتن الداخلية والدعوات الشعوبية أو القبلية أو المذهبية بغية تمزيق الأمة وإضعاف وحدة الشعوب المغلوبة لتحقيق أكبر المكاسب الممكنة. (41)
ولدى خروج المستعمر من بلاد المسلمين سلم مقاليد الأمور إلى أصحاب الولاءات المختلفة، ففي الهند التي حكمها المسلمون عشرة قرون، وعملوا سنين طويلة على طرد المستعمر وبذلوا في ذلك الغالي، ولما تحقق الاستقلال عام 1947م أسلم الإنجليز مقاليد السياسة والجيش والتعليم إلى الهندوس ليبدأ هؤلاء في إذلال وتجهيل المسلمين.
وفي عام 1948م أعطى الإنجليز أرض فلسطين للعصابات اليهودية لتؤسس ما يسمى اليوم بدولة إسرائيل، فيما ألحقت جزيرة زنجبار المسلمة بدولة تنزانيا النصرانية.
كما قد حرص المستعمرون على إفساد الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين وهو ما عبر عنه نابليون في رسالته إلى نائبه في مصر كليبر حيث يقول:"كنت قد طلبت مرارًا جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتمامًا خاصًا بإرسالها لك، لأنها ضرورية للجيش، وللبدء في تغيير تقاليد البلاد"، كما طلب إليه في نفس الرسالة أن يجمع 500 أو 600 شخص من المماليك أو العمد أو المشايخ وأن يرسلهم إلى فرنسا"يحجزون لمدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولما يعودون إلى مصر يكون لنا فيهم حزب يضم إليه غيرهم". (42)
ولما دخل الفرنسيون لبنان فتحوا خمسين حانة لشرب الخمر وعددًا كبيرًا من بيوت الدعارة، ففشى السكر والدعارة إلى حد لم يكن معهودًا من قبل. (43)
كما عمل المستعمرون في البلاد التي احتلوها على القضاء على اللغات الوطنية، وخصوا العربية بمزيد من حربهم، فقد فرضت فرنسا اللغة الفرنسية في مستعمراتها خاصة الجزائر، فيما شجعت إنجلترا اللغة الإنجليزية في جنوب السودان على حساب العربية.
وفي مصر فرض نابليون وجلادوه الضرائب في مصر، وينقل الجبرتي في تاريخه صورًا لما صنعه الفرنسيون فيقول:"دخل الافرنج ( الفرنسيون ) المدينة كالسيل، ومروا في الأزقة والشوارع لايجدون لهم ممانع، كأنهم الشياطين أو جند إبليس، وهدموا ما وجدوه من المتاريس... ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفوقوا ( أي قاءوا ) بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهّارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف، وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها."
وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب وكسروا أوانيه". (44) "
وفرض نابليون الضرائب على المصريين فكان لكل شيء ضريبة، فعلى المولود ضريبة، وعلى الميت ضريبة، وكل ما كان بينهما من معاملات رسمية عليها ضرائب.
كما تحدث الجبرتي عن سرقة أموال المماليك ونهب قصورهم وبيع الأمان لمن بقى من نسائهم بأعلى الأثمان، وكان منهن من اشترت الأمان مرات ومرات، ولما كثر سطو الفرنسيين على المتاع والدواب اشترى بعضهم الأمان لدوابهم وثيرانهم، وقد طلب نابليون من أعضاء الديوان الذي شكله من المصريين ليحكم من ورائه طلب منهم أن يجمعوا له سلفة من التجار تبلغ 500 ألف ريال، دفعها التجار بالقوة، ثم ما لبث بعد يومين فقط أن طلب مبالغ أخرى يعجز عنها هؤلاء المساكين ففعلوا الأفاعيل وسرقوا ما في الدكاكين والبيوت (45)
وهكذا نصل إلى نهاية مطافنا، وأجدني مضطرًا للاعتذار للقارئ الكريم عما سببته له من كآبة وألم وضجر، لكنها جميعًا لا تعدل دمعة واحدة من أنهار الدموع، بل والدماء التي سببها الاستعمار البغيض لبلادنا، والله نسأل أن يكشف كروبنا، وأن يزيح الهمَّ عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قائمة أهم المصادر والمراجع
* أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها. ط1. دار القلم. بيروت. دمشق، 1395هـ.
* الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي. هنري كلود و اندريه برينان و ايف لاكوست. ترجمة: محمد عيتاني مكتبة المعارف. بيروت.
* الاستعمار. أحقاد وأطماع. محمد الغزالي. ط2. الدار السعودية للنشر. جدة، 1389هـ.
* الإسلام والتحدي التنصيري. عمر بابكور. معهد البحث العلمي. جامعة أم القرى، 1407هـ.
* التبشير والاستشراق، محمد عزت الطهطاوي، ط1، الزهراء للإعلام العربي، 1411هـ.
* التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، 1983م.
* حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر. أحمد عبد الوهاب. ط1. مكتبة وهبة، 1401هـ.
* رسالة الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر، دار المدني، جدة، مكتبة الخانجي، مصر، 1407هـ.
* العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والإجتماعي والثقافي، أنور الجندي ط1، دار المعرفة، 1970م.