وأهل العلم لايحرمون خروج المرأة للحاجة أو الضرورة وإن تكرر الخروج، فلو خرجت امرأة لحاجة والتزمت بضوابط الشرع في خروجها، فلا
حرج عليها، فإذا رأت منكرًا وكان بوسعها إنكاره فعليها أن تنكره، وهذا غاية ما في أثر بنت نهيك.
ولايُعرف من أشار إلى توليتها السوق منصبًا، وإنما ذُكر عن عمر -رضي الله عنه- أنه ولَّى أم سليمان بن أبي حثمة الشفاء بنت عبدالله العدوية
القرشية شيئًا من أمر السوق، وقد كانت موصوفة بفضل وعقل وهي من المهاجرات الأوائل رضي الله عنهن جميعًا، ولعل خبر توليتها السوق ليس له
سندٌ يُعوّل عليه، كما أن ظاهر كلام أهل العلم يفهم منه تولية ابنها ومساعدتها له في بعض الشأن، فقد ذكرها الحافظ المزي فقال:"وكان عمر بن"
الخطاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها وربما ولاها شيئًا من أمر السوق ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر" [220] ونقله نحوه ابن حزم"
في المحلى [221] ولكن الزرقاني أشار إلى أن من وُلِّي هو ولدها سليمان بن أبي حثمة، قال:"وقال (أبو) عمر رحل مع أمه إلى"
المدينة وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم واستعمله عمر على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان" [222] ، وكلام الزرقاني هو الذي"
نص عليه ابن عبدالبر كما في الاستيعاب [223] ، وقد نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة، وقال:"قلت هذا كله كلام مصعب الزبيري"
وذكره عنه الزبير بن بكار" [224] ."
فغاية ما في هذا إن ثبت - فمصعب الزبيري توفي في ستة وثلاثين ومائتين وبينه وبين عمر مفاوز- أن عمر رضي الله عنه ولاها شيئًا من أمر
السوق مع ابنها، ولعل ذلك فيما يختص بما يحتاج الرجال دخول النساء فيه فكانت تساعده في ذلك والله أعلم، وهذا الصنيع له وجهه الذي لايخفى فإن
شؤون النساء قد لايناسب مباشرة بعض حالات احتسابها رجال، وهذا ظاهر.
وأخيرًا هناك من يذكر خبرًا عن شخصية يسمونها خولة بنت الأزور ويذكرون قصة إنقاذ أخيها ضرار -وهو صحابي معروف- من الأسر، ولا
أصل لهذه القصة فلا يوقف معها، بل إن في ثبوت شخصية خولة هذه نظر فضلًا عن القصة [225] .
دعاوى غير معقولة:
بعض من يعيه النقل الصحيح يلجأ إلى شبه أخرى بعضها ينقض بعضًا، والواقع أشد لها نقضًا، كقولهم الفصل يؤجج الشهوة، ويلجئ إلى طلب الجنس
ولو من المثل، ثم نقضه بقولهم، القضية قضية قلوب! إذا سلم القلب فلا تهتم أين كان صاحبه، والمرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال في
حصن حصين من شرفها وعفتها لا تمتد إليه المطامع.
وهكذا يدخل صاحب الهوى في مغالطات يهزأ منها قارئ التاريخ، ويكذبها الواقع بإحصائياته، بل بإقرار قدوات المغالطين من رجال الغرب ونسائه.
أما الدعوى الأولى فهي ضرب من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولك أن تقول: الزنا، وإما الشذوذ،
سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنس المحرم، مثلهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يُؤكل لحم الخنزير.
عجبًا! وأين ذهب الحلال الطيب؟
ولك أن تعجب أيضًا من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل حقًا
بلغت السذاجة بأناس مبلغًا يدفعهم لتصديق هذا الدّعي؟
لا أظن أن عاقلًا يتصور أن امرأة شريفة سوف تعيش في حصن من العفاف حصين أنى وجدت، ولو في قعر بيت بغاء!
إن الشرف ليس جوهرًا قائمًا منفصلًا، أو متبعضًا عن غيره، وكذلك العفة ليست كائنًا يمشي على الأرض، ويمسك باليد، بل هي أعرض قائمة
بالنفوس، فإذا جُبْتَ الطرقات والخلوات، فلن تصادف جسمًا اسمه الشرف، وإذا شققت إنسانًا وفتشت بين جنباته، فلن تجد قطعة اسمها العفة، ولكن
ربما وجدت قلوبًا حية بيضاء، وهذه لاتزال صافية، حتى يسقط فيها ما يكدرها.
إن الصفات والأعراض قابلة للتأثر إذا لم تصن، فالخفرات الخود، إذا خرجن فأكثرن التعرض لأشعة الشمس الحارقة، مالت نحو السواد أبشارهن
وقلوبهن البيضاء!
وكم رأيتَ إنسانًا يتقاطر الحياء من محياه، فعاد إليك بعد أن خالط أقوامًا لم يتركوا في وجهه قطرة ماء.
إن من المستهجن في العقول أن تقول لغواص يجوب أعماق البحار، انزع لباسك الضافي الأسود وإياك إياك أن تبتل بالماء! ومن قبيله ترك المباعدة
بين الرجال والنساء وترقب السلامة مع أن"كل فحل يمذي وكل أنثى تقذي".
ألم ير من يناد بهتك الستر بين الرجال والنساء أثر ذلك في الغرب المتحضر؟ هل خفف ذلك من ثورة الشهوات؟ أم أتاح لها متنفسًا فلوثت
الأعراض؟
ثم هب أن امرأة درجت على مخالطة الرجال فسلم لها شرفها وحياؤها فلم يهزل، فمن الذي يكفل عدم خدشها من قبل ثعالب وذئاب البشر..
قالت بنو عامرٍ خلوا بني أسدٍ يابؤس للجهلِ ضَرَّارًا لأقوام
تعدو الذئابُ على من لاكلابَ له تتقي صولة المُسْتَثْفِرِ الحَامِي [226]
يذكر أهل السير والأدب أن عمر بن أبي ربيعة بينما كان يطوف بالبيت إذ نظر إلى امرأة فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان
في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيامٍ عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها، حتى
خافت أن يشهرها. فلما كان في الليلة الأخرى رفعت الاختلاط المحظور فقالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فأقبلت وهو معها.
فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول النابغة السالف.
وذكروا أن الخبر بلغ الخليفة المنصور فقال: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الخبر.
وفي الإحصاءات التي تبين ماهو ماثل في أرض الواقع ما يغني عن الأخبار [227] ، نسأل الله الحفظ والسلامة.
أما الزعم بأن الدعوة للعفاف ونبذ التبذل والاختلاط سبب لتأجج نار الشهوات فهو من أظهر الباطل، فهؤلاء أهل الإسلام ودعاته الملتزمون بأحكامه
ومن ذلك الفصل بين الرجال والنساء، محافظون على العفة مهذبون لغرائزهم بالتزامهم أمر اللطيف الخبير بخلاف غيرهم.
فلم نسمع بجماعة إسلامية، دعت يومًا من الدهر إلى إباحة الشذوذ الجنسي، فضلًا عن أن تقر له قانونًا، بينما قاد الاختلاط والانفتاح أممًا إلى سَنّ
تشريعات تبيح الشذوذ، وإلاّ فما بال نساء ألمانيا وبريطانيا وأمريكا ورجالاتها سنوا تشريعات تقر الشذوذ، وأقاموا منظمات تحفظ حقوق الشذاذ!
أتراهم عانوا من كبت ضرب الحجاب بين الجنسين أو أمر النساء بالقرار؟ هل يعلم هؤلاء أن بالولايات المتحدة وحدها نحوًا من خمسين مليون
شاذ [228] !
ثم من الذي يحمي شذاذ الآفاق، من الذين انتكست فطرهم في الدول العربية والمسلمة؟ هل رأيتم شعبًا مسلمًا خرج في مظاهرة لحماية حقوق الشواذ؟
اللهم لا؛ ولكن رأينا احتجاجات بمباني الأمم المتحدة في جنيف، وخارج المكتب الثقافي التابع للسفارة المصرية بواشنطن. وسمعنا بانتقدات جماعات
حقوق الإنسان الدولية، لحادث قبض على بعض الشذاذ في أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم ومحاكمتهم [229] !
حتى قال محرر الأهرام العربي:"بعد أن رفع الشواذ الأمريكيون شعار الحرية الشخصية الذي تبناه خمسة وثلاثون من أعضاء الكونجرس في"
رسالة مسمومة إلي الرئيس مبارك يلوحون فيها بورقة المعونة الأمريكية للضغط علي مصر بهدف إلغاء محاكمة المتهمين الـ 52 في قضية الشذوذ
ومنح الحرية الكاملة لأي شاذ يمارس الجنس مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه .
ولأن الحملة الأمريكية يقودها شاذ أمريكي يدعي"باري فرانك"عضو الكونجرس عن ولاية"ماستشوستس"ومعه"توم لانتس"