الحق، ولكن نظرًا إلى أن بعض الناس قد يستفيدون من كلمات رجال الغرب والشرق، أكثر مما يستفيدون من كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه
وسلم، وكلام علماء المسلمين، رأينا أن ننقل لهم ما يتضمن اعتراف رجال الغرب والشرق بمضار الاختلاط ومفاسده، لعلهم يقتنعون بذلك, ويعلمون
أن ما جاء به دينهم العظيم من منع الاختلاط هو عين الكرامة والصيانة للنساء وحمايتهن من وسائل الإضرار بهن والانتهاك
لأعراضهن" [209] ."
ثم قال:"ولو أردنا أن نستقصي ما قاله منصفو الغرب في مضمار الاختلاط الذي هو نتيجة نزول المرأة إلى ميدان أعمال الرجال لطال بنا المقال"
ولكن الإشارة المفيدة تكفي عن طول العبارة" [210] ."
وقال معلقًا على من زعم بأن عزل الطالبات عن الطلاب مخالفة للشريعة، وأن المسلمين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدون
الصلاة في جامع واحد:"ولاشك أن هذا الكلام فيه جناية عظيمة على الشريعة الإسلامية، لأن الشريعة لم تدع إلى الاختلاط حتى تكون المطالبة"
بمنعه مخالفة لها، بل هي تمنعه وتشدد في ذلك" [211] ."
ومما قاله رحمه الله:"فمن واجب النصح والتذكير أن أنبه على أمر لاينبغي السكوت عليه، بل يجب الحذر منه، والابتعاد عنه، وهو الاختلاط"
الحاصل من بعض الجهلة، في بعض الأماكن والقرى مع غير المحارم، ولايرون بذلك بأسًا بحجة أن هذا عادة أجدادهم، وأن نياتهم
طيبة.." [212] ."
وقال حول الاختلاط في المدارس الابتدائية:"إن الاختلاط وسيلة لشر كثير، وفساد كبير لايجوز فعله"ثم قال:"وبكل حال فاختلاط البنين"
والبنات في المراحل الابتدائية منكر لايجوز فعله" [213] ."
وقال رحمه الله:"من المعلوم أن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط، وذلك أمر خطير جدًا، له تبعاته الخطيرة، وثمراته"
المرة، وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم لنصوص الشريعة التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحو، مما تكون فيه
بعيدة عن مخالطة الرجال"... إلى أن قال:"والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم النظر إليها، وتحريم
الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله، أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لاتحمد عقباه" [214] ."
وسئل عن حفلات التوديع المختلطة، فقال:"الحفلات لاتكون بالاختلاط! بل الواجب أن تكون حفلات الرجال للرجال وحدهم، وحفلات النساء"
للنساء وحدهن، أما الاختلاط فهو منكر، ومن عمل أهل الجاهلية نعوذ بالله من ذلك" [215] ."
وللشيخ رحمه الله رسائل وفتاوى متعددة في المسألة غير ما أشير إليه [216] .
وما سبق نزر يسير، وطرف من كثير، ولعل فيه كفاية، ولعله قد تبين من خلال العرض الآنف أن المنع من اختلاط الرجال بالنساء، ليس من مفردات
الحنابلة! فهؤلاء علماء الإسلام بشتى مذاهبهم، وبمختلف أعصارهم وأمصارهم يقولون به. فليست الدعوة إلى ترك الاختلاط إذًا، دعوة إقليمية،
ولامذهبية، بل هي إسلامية إسلامية.
بعض شبه من اختلط عليه الاختلاط:
إن الشبه التي يتمسك بها بعضهم لاتخرج عن كونها اختلاط مع التحرز لضرورة أو حاجة ملحة، أو ليس فيها مستمسك أصلًا، بل بعضها أدلة هي عند
العقلاء حجة على موردها.
ولو أمعن القارئ الكريم النظر في الشبه التي يسوغ بها البعض أضربًا من الاختلاط، لوجد أن الإشكال يكمن في التمسك بأمور مجملة، حُملت على
معنى فاسد، ساق إليه ارتباط الذهن بواقع الناس اليوم، والواجب حمل المجمل على وجه صحيح دل عليه الشرع، ما أمكن ذلك. وبخاصة إذا جاء
المجمل من صاحب الشريعة، أو من الجيل الذي عرف بالتزامه للشريعة.
ومن هذا القبيل ما يُستدل به على جواز الاختلاط من نحو شهود المسلمات في العصر الأول للجمع والجماعات والأعياد، وكذلك حجهن واعتمارهن
وجهادهن، ونحو ذلك مما سبق بيان وجهه الشرعي، بعيدًا عن واقع الناس اليوم.
غير أن هناك نصوصًا أخرى أشكلت على البعض، ولعله يتم التعرض لبعضها فيما يلي:
الاستدلال بقصة يوسف عليه السلام:
من شبه من أشكل عليه الاختلاط، ما يستدل به بعضهم، من دخول نبي الله يوسف على النسوة، قال الله:"فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن"
وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن"الآية، ومن تأمل هذه الآية وما جاء قبلها"
وبعدها جزم بأنه لايصح الاستدلال بها على جواز الاختلاط، بل الآيات حجة عند النظر والتأمل لمن منع من الدخول على النساء ومخالطتهن:
فيوسف عليه السلام اشتراه عزيز مصر، وكان في بيته وكان خروجه بأمر ربة البيت فكان الخروج في حقه لضرورة أو حاجة، خاصة وأنه لايعلم
لماذا دُعي، فغاية ما في القصة الاستدلال بفعل النسوة أو امرأة العزيز، وهذا استدلال بفعل من كان على الشرك، ومع ذلك فإن الآيات في سياق القصة
وما تبعها من فتنة حصلت للنساء بل ولامرأة العزيز من قبل دليل على حرمة الاختلاط، فمن حلل الاختلاط بقصة يوسف لم يفقه ما استدل به عليه من
سورة يوسف، ولو فقهه لحرم الاختلاط به، فانظر إلى الفتنة التي حصلت إثر الدخول على النساء ولئن عصم الله يوسف عليه السلام فأراه برهان
ربه لكونه من المخلصين، فمن الذي يضمن هداية من تقحم الفتن وعرض نفسه لها؟ فـ"إياكم والدخول على النساء"، كما قال نبينا صلى الله عليه
وسلم [217] .
الاستدلال بنبأ موسى مع المرأتين:
ومن عجيب ما يتمسكون به كذلك نبأ موسى -عليه السلام- مع بنتي صاحب مدين، وليس فيه حجة على جواز الاختلاط بل هو دليل آخر على
المنع، فموسى لما رأى أُمّة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما عن السقيا مع القوم، منعزلتان لاتسقيان مع الناس، لم يرضه
موقفهما واستغربه ولهذا سألهما بعبارة مختصرة: ما خطبكما؟ فكان الجواب بأوجز عبارة وبقدر الحاجة:"لانسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا"
شيخ كبير"."
والأسئلة التي ينبغي أن تطرح هنا لماذا هذا الاقتضاب؟ مع أنه عند أبيهما قص القصص! ولماذا لم تسقيا؟ ولماذا ذادتا غنمهما؟ وعن ماذا ذادتا
الغنم؟ أليس عن الاختلاط بغنم القوم؟ ثم أليس الأولى لهما أن تعجلا؟ جواب ذلك في القول باستقرار المنع من الاختلاط عندهما ولهذا قالتا:"لا"
نسقي حتى يصدر الرعاء"، وقد ذكر بعض المشايخ المعاصرين أربعة عشر وجهًا في القصة انتزع منها الدلالة على منع الاختلاط. وآخر ذكر"
تسعة عشر مظهرًا من مظاهر العفة في القصة.
الاستدلال بأخبار سمراء والشفاء رضي الله عنهما:
ومما أشكل على بعضهم خبر مفاده تولية النبي صلى الله عليه وسلم سمراء بنت نهيك أمر السوق، وحديث سمراء بنت نهيك الذي أخرجه الطبراني
في الكبير، صححه بعض أهل العلم [218] ، وفيه أن يحيى بن أبي سليم قال:"رأيت سمراء بنت نهيك -وكانت قد أدركت النبي صلى الله"
عليه وسلم- عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر" [219] ، وهو كما ترى ليس فيه"
ذكر لولاية بل ولاسوق!
ثم إن الاحتمالات ترد على معناه وغاية ما فيه أنه -ابن أبي سليم- رأى سمراء تأمر وتنهى، ولم يقل أنها اتخذت ذلك عملًا أو وليته منصبًا، فربما
كانت خارجة لبعض حاجتها فرأت المنكرات فأنكرتها، وهذا دأب عباد الله الصالحين، ولعل مما يجعل هذا الاحتمال وجيهًا هو عدم نقل غيره له ولو
كان مَنصِبًا لكان معروفًا مشهورًا منقولًا عن غيره، ولاسيما لو كان منصبًا في محل عام يرده ويصدر عنه الفئام، بل ندر من لاتكون له حاجة فيه.