الوليمة"لهو مشهور"أي ظاهر بحيث يُخالطه المدعو وهو ممَّا يَحرُمُ حُضُوره وفسره بقوله:"ولا منكرٌ بيِّنٌ"أي مشهور ظاهر,
كاختلاط الرجال بالنساء, أو الجلوس على الفرش الكائنة من الحرير, أو الاتكاء على وسائد مصنوعة منه.." [182] ."
وقد نقل أئمة المالكية؛ كابن فرحون، وابن زيد البرناسي، وأحمد القرافي، أنه لايختلف في المذهب في عدم قبول شهادة من يحضرون الأعراس التي
يمتزج فيها الرجال بالنساء، وما شابه ذلك، وقالوا: لأن بحضورهم في هذه المواضع تسقط عدالتهم [183] .
وقال ابن العربي في أحكام القرآن معلقًا على قول الحسن:"كان النساء يسلمن على الرجال، ولايسلم الرجال على النساء"، قال:"وهذا"
صحيح فإنها خلطة وتعرض، إلاّ أن تكون امرأة متجالة؛ إذ الخلطة لاتكون بين الرجال والنساء، وهذا هو المقصود والمنتهى" [184] ."
وذكروا أن من آداب القضاء إفراد وقت أو يوم للنساء، قال المواق معلقًا على قول خليل:"وينبغي أن يفرد وقتًا أو يومًا للنساء"، قال:""
أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء فذلك له على اجتهاده، ولايقدم الرجال والنساء مختلطين، وإن رأى أن يجعل للنساء يومًا معلومًا أو يومين
فعل" [185] ."
ثم نقل عن ابن الحكم قوله:"أحب إلي أن يفرد للنساء يومًا، ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس" [186] .
وعن المازري:"إن كان الحكم بين رجل وامرأة أبعد عن المرأة.." [187] .
وذهب متأخروا الحنفية للقول بكراهة الصلاة في المسجد للمرأة شابة أو عجوزًا، وكذلك حضور مجالس الوعظ، قال في الكافي:"والفتوى اليوم"
على الكراهة في الصلاة كلها، لظهور الفساد، ومتى كره حضور المسجد كره حضور مجالس الوعظ، خصوصًا عند هؤلاء الجهال، الذين تحلوا
بحلية العلماء" [188] ."
وقال الحموي معللًا حكمه على الزفاف:"وهو حرام في زماننا فضلا عن الكراهة لأمور لا تخفى عليك منها اختلاط النساء"
بالرجال" [189] ."
وعلل ابن عابدين رد شهادة من خرج للفرجة على قدوم أمير بقوله:"لما تشتمل عليه من منكرات، ومن اختلاط الرجال بالنساء" [190] .
ومن نكت الأحناف قول بعضهم في الآفة الستون من آفات اللسان:"الإذن والإجازة فيما هو معصية، كإذن الزوج لامرأته أن تخرج من بيته إلى"
غير مواضع مخصوصة"ثم عدها سبعًا وقال:"وفيما عدا ذلك من زيارة الأجانب وعيادتهم والوليمة لا يأذن لها ولو أذن وخرجت كانا
عاصيين" [191] ."
ومن اطراد الشافعية على قواعدهم منعهم من اختلاط الرجال بالنساء أمواتًا، قال في معالم القربة:"ولايدفن في قبر واحد ميتان ما أمكن، وإن"
اجتمع موتى في وباء جعلنا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وقدمنا الأفضل إلى جدار اللحد، فيقدم الأب على الابن، والابن على الأم لمكان الذكورة،
ولايجمع بين الرجال والنساء، فإن دعت الضرورة جعلنا بينهما حاجزًا من تراب" [192] ."
ونحوه قول الرملي:"ولايجوز الجمع بين الرجال والنساء إلاّ لضرورة متأكدة" [193] .
وقد ذكر الفقهاء أنه يشرع للمرأة أن تبادر بالخروج من المسجد لتسلم من مزاحمة الرجال [194] ، واستحبوا للرجال أن يمكثوا ريثما تصدر
النساء ما لم يكن المأمومون رجالًا ليس فيهم نساء [195] ، وقد مضى في الكلام على شهود النساء للأعياد والصلوات بعض ما ذكره أهل العلم
في خروجها للصلاة، وكيف تخرج، ومن أين تدخل، وأين تقف [196] ، ومتى تنصرف، وكل ذلك حذار الاختلاط بالرجال.
وكذلك راعوا المنع من الاختلاط في الطواف، وقد سبقت الإشارة إليه، عند ذكر مراعاة الشريعة المنع من الاختلاط في النسك.
وقال الشيخ الجليل أبوبكر الطرطوشي -رحمه الله- وقد سئل حول الاجتماع لختم القرآن:"إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم"
يكن إلاّ الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض يسمعون الدعاء فهذا البدعة التي كره مالك رحمه الله.."إلى أن قال:"وكل
من قال بأصل الذرائع يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء، يلزمه إنكاره لما يجري فيه من اختلاط الرجال
والنساء" [197] ."
وذكر ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثة: أن"الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور ، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساء"
الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع" [198] ."
وقد علل بعضهم اشتراط الذكورية في القاضي أو الحاكم فقالوا: ليتمكن من مخالطة الرجال [199] .
وقد تقدم ذكر شيء من كلامهم بهذا عند ذكر مراعاة عدم الاختلاط في الشرائع، كالحج والجهاد وغيرهما.
من كلام العلامة محمد بن إبراهيم:
للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله جواب مطول عن حكم الاختلاط أفرد في رسالة سبقت الإشارة إليها فليراجع، ولعله يُكتفى هنا بنقل مواضع أخرى
من كلامه في فتاواه خارج تلك الرسالة، خاصة وأن شيئًا من الرسالة فاح عبقه بين طيات البحث. وانظر كذلك فتاواه بعدها [200] .
ومن كلامه قوله رحمه الله عند تلخيصه ذكر مفاسد الموالد التي عدها ابن الحاج:"3- خروج النساء إلى المقابر وارتكاب أنواع المحرمات"
هناك من الاختلاط وغيره" [201] ."
وقال رحمه الله:"وأما اختلاط النساء بالرجال وحصول المفاسد التي ذكرتها [202] ، فهذا من أكبر المنكرات التي يتعين إنكارها على"
الجميع" [203] ."
وقال:"ومن أدلة ذلك أيضًا النصوص الدالة على منع اختلاط الرجال بالنساء، لأن المرأة الموظفة لا تختص بالنساء لا بد أن تخالط الرجال"
بمقتضى طبيعة وظيفتها. ومن تلك النصوص قوله تعالى:"وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب"فالأمر بكون سؤالهن من وراء
حجاب دليل واضح على لزوم الحواجز وعدم الاختلاط" [204] ."
وقال حول ما تقدم به بعضهم ضد هيئة الأمر بالمعروف، متظلمًا من سجنه، وتأديب المشتركين في حفلة زواج بضرب كل واحد منهم خمسة أسواط.
"بتأمل ما قرره قاضي الأفلاج بحق المذكورين، بناء على ما تحقق لديه من اجتماعهم مختلطين رجالًا ونساءً على ضرب الدفوف، وما ترتب عليه"
من وجود منكرات لا يجوز فعلها شرعًا، يعتبر إجراءً حسنًا، وفي محله، ولا وجه لتشكي المذكورين، بل الذي ينبغي في ذلك على ولاة الأمر أن
يكونوا عونًا لرجال الدين والحسبة في قمع أمثال هؤلاء والضرب على أيديهم بما يحفظ للدين كرامته وللشرع قداسته"."
ثم ذكر -رحمه الله-"أن ضرب الدفوف إذا كان مقصورًا على النساء فقط سالمًا من الأمور المحرمة فلا مانع منه، لشرعية إعلان"
النكاح" [205] ."
ومن أقواله أيضًا:"بهذه المناسبة أشرح أمرًا هامًا ينبغي أن يكون العمل عليه في مستشفات المملكة، وذلك أن الرجال والنساء الذين يرتادون"
المستشفيات للعلاج ينبغي أن يكون لكل منهم قسم خاص في المستشفى، فقسم الرجال لا يقربه النساء بحال، ومثله قسم النساء، حتى تؤمن المفسدة،
وتسير مستشفيات البلاد على وضع سليم من كل شبهة، موافق لبيئة البلاد ودينها وطبائع أهلها، وهذا الترتيب لا يكلف شيئًا ولا يوجب التزامات مالية
أكثر مما كان، فإن الإدارة واحدة، والتكاليف واحدة، مع أن ذلك متعين شرعًا مهما كلف" [206] ."
وقال في شروط دراسة تمريض النساء:"ومنها أن يكون عمل المتخرجات في الأجنحة النسائية فقط، ولا يكلفن بالعمل في أجنحة الرجال، ومنها"
أن يكون التدريب العلمي في الأقسام النسائية في بُعد عن الاختلاط بالرجال" [207] ."
من كلام العلامة ابن باز:
قال رحمه الله:"والكتاب والسنة دلا على تحريم الاختلاط وتحريم جميع الوسائل المؤدية إليه" [208] .
وقال:"لقد ذكرنا من الأدلة الشرعية والواقع الملموس ما يدل على تحريم الاختلاط واشتراك المرأة في أعمال الرجال مما فيه كفاية ومقنع لطالب"