فهرس الكتاب

الصفحة 2750 من 3028

السلام أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا" [172] ،"

وقال الماوردي:"فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد خلق الله من الريب وأصونهم من التهم، وقف"

مع زوجته صفية ذات ليلة على باب مسجد، يحادثها وكان معتكفًا، فمر به رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا. فقال لهما: على رسلكما إنها

صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله! أوفيك شك يارسول الله؟ فقال: مه، إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه، فخشيت أن

يقذف في قلبيكما سوءًا"."

ثم قال الماوردي:"فكيف من تخالجت فيه الشكوك، وتقابلت فيه الظنون، فهل يَعْرَى مَنْ في مواقف الرِّيَبِ مِنْ قادحٍ مُحَقَّق، ولائمٍ"

مُصدَّق" [173] ."

والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرر أن خلطة الرجل بالمرأة موطن ريبة، ومحل تهمة، مع أن هذه الخلطة كانت عند المسجد، وفي محل عام

مطروق، وزمانها ليلة من ليال العشر الأواخر من رمضان [174] ، مع امرأة مضروب عليها الحجاب الكامل بغير خلاف لكونها من أزواجه،

صلى الله عليه وسلم، أضف إلى ذلك الأصول المقررة؛ كعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، ورسوخ إيمان صحابته، رضوان الله تعالى عليهم.

كل ذلك لم يبرر ترك بيان أن الاختلاط بالنساء موضع تهمة، ومحل شبهة.

هذا نزر يسير من الأدلة، ومن تأمل نصوص الوحيين، وأحكام الشريعة اتضح له بجلاء حرصها على أن تكون أخت الإسلام درة مصونة لايقع عليها

للريبة ظل، ولؤلؤة مكنونة لاتمتد إليها يد لامس. وللعلامة محمد بن إبراهيم رسالة وجيزة بليغة ذكر فيها تسعة عشر دليلًا على حرمة الاختلاط

فلتراجع [175] ، بل حتى عقلاء الغربيين كتبوا في التحذير من الاختلاط وآثاره الضارة ولهم في ذلك مقولات معلومة منشورة، لعله يأتي ذكر

طرف منها.

الضرورة إذا اقتضت اختلاطًا:

تقرر أن الاختلاط محرم"ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم"

المدني نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يزيد المهتدي منهم هدى، وأن يوفق ولاتهم لفعل الخيرات وترك المنكرات، والأخذ على أيدي

السفهاء، إنه سميع قريب مجيب" [176] ."

فمن المقرر أن الضرورات تبيح المحظورات، بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي المرءُ ربَّه ويتحرز عما نهاه عنه ما استطاع.

فإذا اقتضت الضرورة اختلاطًا، كما في الحج -على سبيل المثال- فإن الحج ركن من أركان الإسلام وهو فعل مأمور مقدم على ترك المحظور،

فإن اشتد الزحام ولم يمكن تجنبه كالحال في هذه الأزمنة، فتؤدي المرأة فرضها، متقيدة بضوابط الشرع، حريصة على محرمها، ثم تتحرز ما

استطاعت، والله غفور رحيم.

ومثل الحج سائر الضرورات التي تبيح المحظورات، فينبغي أن تقدر بقدرها، ولايتعدى قدر الاضطرار فيها، وهذا يقدره ويقرره أهل العلم والشأن

فهم أعلم بضابط الضروريات وأجدر بعرض الوقائع على الأحاديث والآيات، فإن وجدت ضرورة لاتكون إلاّ مع الاختلاط فكشأن سائر المحظورات

تباح بقدر الحاجة، وبعد انتهائها يعود كل حكم إلى أصله.

افتعال الضرورة!

الضرورة حالة ملجئة لفعل، والإلجاء لايعتبر باختيار الشخص وفعله بغير إكراه، فلايجوز بحال أن تفتعل نازلة أوتصنع بيئة لاختلاط الرجال بالنساء

أو لاتراعي الفصل بينهم، ثم يُقال بجواز الاختلاط فيها للضرورة، فمثل ذلك افتئات على الشرع لايقر فاعلوه وإن عذر بعض من واقعه باضطراره،

والذي ينبغي هو أن يقوم أساس البنيان وفق ضوابط الشريعة، فإذا وقع محظور لضرورة بعد التحرز ساغ الاعتذار بالضرورة، إن كان الضرر

المترتب على تركه أعلى، على أن تقدر الضرورة بقدرها.

وإلاّ لكان المفتعل للضرورة المعتذر بها كمن قطع يدي مسلم ورجليه ثم أذهب سمعه وبصره وقال هذا تحل له الزكاة! إذ ليس له عائل.

أو كالذي صبر إنسانًا عن الطعام والشراب فلما أشرف على الهلكة قدم له لحم خنزير أو ميتة وقال: كله اضطرار!

أما إذا اضطر مضطر لحاجة عند من لم يراع ضوابط الشرع فيما أنشأ فالمضطر معذور والمفرط موزور وإلى الله ترجع الأمور والله عليم بذات

الصدور.

طرف من كلام أهل العلم في المنع من الاختلاط:

لقد راعى علماؤنا رحمهم الله أصل المنع من اختلاط الرجال بالنساء في كثير من الأحكام، وعللوا به، ولعله سبق ذكر طرف من ذلك، وليس الغرض

هنا تقرير أعيان المسائل التي ربما عللوا بالاختلاط منعها، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، فربما خالف مخالف فيها، وإنما الغرض بيان ما

اتفق عليه العلماء من المنع بالاختلاط وتعليلهم به الكثير من الأحكام، مع نصهم على المنع منه [177] .

ومن ذلك ما نقله ابن القيم رحمه الله:"ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق, والفرج, ومجامع الرجال."

قال مالكٌ رحمه الله ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصُيَّاغ في قُعود النساء إليهم, وأرى ألا يَترُك المرأة الشابة تجلس إلى الصُّيَّاغ فأمَّا

المرأة المتجالَّة [178] والخادم الدُّونُ, التي لا تتهم على القُعود, ولا يتُهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأسًا.

انتهى [179] ، فالإمام مسئولٌ عن ذلك, والفتنة به عظيمة, قال صلى الله عليه وسلم:"ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من"

النساء"... ويجب عليه منع النساء من الخروج متزيِّناتٍ مُتجمِّلاتٍ, ومنعهنَّ من الثياب التي يكنَّ بها كاسياتٍ عاريَّاتٍ, كالثياب الواسعة"

والرِّقَاقِ, ومنعهنَّ من حديث الرجال, في الطرقات, ومنع الرجال من ذلك." [180] ، ثم قال رحمه الله مشيرًا إلى ما يناسب واقعهم:"

"وإن رأى وليُّ الأمر أن يُفسِد على المرأة -إذا تجمَّلت وتزيَّنت وخرجت- ثيابهَا بحبرٍ ونحوه, فقد رخَّصَ في ذلك بعض الفقهاء وأصاب,"

وهذا من أدنى عقوبتهنَّ الماليَّة. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها, ولا سيَّما إذا خرجت متجمِّلةً, بل إقرار النساء على ذلك

إعانةٌ لهنَّ على الإثم والمعصية, والله سائل وليَّ الأمرِ عن ذلِك. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في

طريق الرجال, والاختلاط بهم في الطريق. فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك .."."

إلى أن قال:"ولا ريب أنّ تمكين النساء من اختلاطهنَّ بالرجال: أصل كل بليَّةٍ وشرٍّ, وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامَّة, كما"

أنَّه من أسباب فساد أُمورِ العامة والخاصة, واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام, والطواعين

المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى, وفشت فيهم الفاحشة: أرْسَلَ الله إليهم الطاعون, فمات في يوم واحدٍ سبعون ألفا, والقصة

مشهورة في كتب التفاسير. فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا, بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال, والمشي بينهم

متبرِّجاتٍ متجملات, ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعا لذلك"."

وقال الماوردي رحمه الله يعرف الدَيُّوث:"هو الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدث بينهم" [181] .

وقد منع علماؤنا بعلة الاختلاط شهود بعض الواجبات، قال النفراوي في من دُعي إلى وليمة عرس:"المتبادر من الأمر الوجوب.. قال"

خليلٌ: تجب إجابة من عيَّنَ وإن صائمًا ..."قال:"ثم شرع في بيان ما يُسقِط الإجابة بقوله:"إن لم يكن هناك"أي في محل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت