الشيطان" [154] ، قال المناوي:"يعني رفع البصر إليها ليغويها أو يغوي بها فيوقع أحدهما أو كلاهما في الفتنة، أو المراد شيطان الإنس
سماه به على التشبيه، بمعنى أن أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها، والاستشراف فعلهم لكن أسند إلى الشيطان لما أشرب في قلوبهم
من الفجور ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه. ذكره القاضي. وقال الطيبي: هذا كله خارج عن المقصود والمعنى المتبادر
أنها ما دامت في خدرها لم يطمع الشيطان فيها وفي إغواء الناس فإذا خرجت طمع وأطمع لأنها حبائله وأعظم فخوخه وأصل الاستشراف وضع
الكف فوق الحاجب [155] ورفع الرأس للنظر" [156] ، وهذا إخبار من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وسواء كان"
الاستشراف هنا حقيقيًا من شياطين الجن -وهو الظاهر وماذكروه من تأويل لازم له- أو ما ذكر من تأويلات فإن المعنى المتفق عليه مرادٌ، وهو
حضُّ النساء على عدم الخروج ولزوم البيوت، لكونه أصون لهن، فكيف يقال بجواز اختلاطهن بالرجال.
4-دلالة قوله تعالى:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"
ومن الأدلة قوله تعالى:"وقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى"، فأمرهن بالقرار، ثم منعهن من الخروج غير متحجبات، ومع
قرارهن في البيوت منع صلى الله عليه وسلم الرجال الأجانب من الدخول عليهن فقال:"إياكم والدخول على النساء"فلما قيل له: الحمو
قال:"الحمو الموت" [157] ، وهذا يدل على أن الأمر بالقرار ليس خاصًا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكر جملة من كلام
أهل العلم في ذلك منهم القرطبي وابن كثير وابن العربي وابن الحاج والجصاص وقد قاله غيرهم [158] ، ويصلح أن يقال هنا نحوًا مما ذكر عند
الاستدلال بقول الله تعالى:"وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب".
أدلة أخرى على أن القرار ليس خاصًا بنساء النبي (صلى الله عليه وسلم) :
1-حديث عقبة ابن عامر السابق وهو متفق على صحته، فلا معنى لأن يُمنع من دخول الرجال على النساء بل حتى
بعض غير أولي الإربة منهم، ويباح خروجهن لهم!
2-الآية السابقة وإن جاءت في معرض خطابهن فهي تشمل غيرهن لما سبق من الأدلة الشرعية التي تحرم خلطة النساء
بالرجال.
3-دلالة الاقتران بالصلاة، والزكاة، وطاعة الله التي لايشك المسلم من دخول سائر النساء فيها، فقد قال الله:"وَلَا"
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"."
4-ومن الأدلة على أن المراد عام يدخل فيه عامة النساء، هو العلة التي ختمت بها الآية:"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ"
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"، وهذه علة مرادة لجميع النساء، وإنما لم يرد الله أن يطهر قلب من أراد به فتنة، كما في سورة المائدة:"
وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، أما سائر"
المؤمنين فيريد الله تطهيرهم ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ"
سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، وكذلك الرجس يريد الله أن يذهبه عن المسلمين، وعموم النساء يشملهن الأمر باجتنابه"فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"، فالعلة التي ختمت بها الآية دليل واضح على عمومها فلايقال بتخصيص شيء منها إلاّ بدليل آخر ظاهر، وقد ذكر الأصوليون"
أن العلة إذا نص عليها بوجه لايحتمل التأويل فلابد أن يعم الحكم [159] وقالوا:"النص على العلة نص على الحكم في"
محلها" [160] هذا مع أنهم لم يشترطوا لصحة العلة النص عليها وهي هنا منصوصة ظاهرة بل جاءت بأداة الحصر (إنما) ، وقد ذهب"
بعض الأصوليون إلى أن العمل بالعلة هنا ليس من باب القياس بل هو استمساك بنص لفظ الشارع [161] ، قال ابن تيمية بعد أن نقل الاتفاق على
قبول مثل هذه العلة:"وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياسًا أو لا يسمى، ومثاله في كلام الناس ما لو قال السيد لعبده: لا تدخل داري فلانا فإنه"
مبتدع، أو فإنه أسود، ونحو ذلك فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعًا أو من كان أسود [162] .
5-ومما يدل كذلك على أن الآية مراد بها عموم النساء ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:
"خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت"
فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"" [163] فهذا نص على"
دخول فاطمة رضي الله تعالى عنها وليست من أزواجه، وكذلك دليل على دخول أولادها ومنهن بناتها ولسن من أزواجه. ولهذا قال ابن كثير لما
ساق قول عكرمة في الآية:"من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم"قال:"فإن كان المراد أنهن كن سبب"
النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من
ذلك..." [164] وساق أحاديث عدة في المعنى المراد، وما سبق عند مسلم فيه كفاية."
5 -دلالة قوله صلى الله عليه وسلم:"فاتقوا النساء".
كما في حديث أبي سعيد الخدري عن مسلم، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا"
الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" [165] ."
فـ"خصص بعدما عمم إيذانا بأن الفتنة بهن أعظم الفتن الدنيوية، فإنه سبحانه أخبر بأن الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أما في"
طلابها ومؤثريها على الآخرة سبعة أشياء أعظمها النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهوتها وأعظمها فتنة" [166] ."
و"وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء النساء، وهو أمر يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط ؟! هذا لا"
يجوز" [167] ."
6 -قصة سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة [168] .
والشاهد فيها أنها"جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسول الله! إنا كنا ندعو سالما ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان"
يدخل علي..."الحديث فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاختلاط معها بذلك التبني بعد نزول القرآن، وأمرها بإرضاعه خمس"
رضعات لتحرم عليه" [169] ."
فإذا كان لايجوز الاختلاط مع من يقوم مقام الابن مالم يكن محرمًا، فكيف يسوغ الاختلاط بغيره.
7 -"على رسلكما إنها صفية"الحديث [170] .
وفيه أن صفية -رضي الله عنها- زارته في معتكفه، فأرادت أن تنقلب فقال لها: لا تعجلي حتى أنصرف معك. فخرج النبي صلى الله عليه
وسلم، معها فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما إنها صفية بنت
حيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا.
وقد أورده البيهقي في الشعب تحت فصل فيمن أبعد نفسه عن مواضع التهم [171] ، وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-:"أراد عليه"