فهرس الكتاب

الصفحة 2748 من 3028

دواعي الريبة وقذر القلوب، ولاشك أن هذه العلة تشمل جميع نساء المؤمنين، لأنه يطلب في حقهن طهارة قلوبهن، وطهارة قلوب الرجال من الميل إلى

ما لاينبغي منهن. فليس لقائل أن يقول: هذا الأدب الكريم السماوي، المقتضي المحافظة على الشرف والدين وأطهرية القلوب من الميل إلى

الفجور، يجوز إلغاؤه وإهداره بالنسبة لغير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء المؤمنين، لأن طهارة القلب ومجانبة أسباب الرذيلة، أمر

مطلوب من الجميع بلا شك، مع أن النفوس أشد هيبة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من غيرهن؛ لأنهن أمهات المؤمنين" [138] ، ولأنهن من"

خيرة نساء العالمين، فمن دونهن -وكل النساء دونهن- من باب أولى، قال القرطبي:"ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول"

الشريعة.." [139] . ومن"المقرر عند العلماء المؤيد بالدليل هو استواء جميع الناس في أحكام التكليف، ولو كان اللفظ خاصًا ببعضهم،

إلاّ ما جاء النص مصرحًا بالخصوص فيه، ولذلك فجميع الخطابات العامة يدخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وأحرى غيره. وما ذلك إلا

لاستواء الجميع في الأحكام الشرعية إلا ما قام عليه دليل خاص، فقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم بما يتضمن ذلك، فإنه صلى

الله عليه وسلم لما قال:"لن يدخل أحدكم عمله الجنة". قالوا: يا رسول الله ولا أنت. قال:"ولا أنا أن يتغمدني الله برحمة منه"

وفضل"فكأنهم يقولون له: أأنت داخل معنا في هذا العموم؟ وهو يجيبكم بنعم. وما ذلك إلا لاستواء الجميع في الأحكام الشرعية."

فإن قيل: آية الحجاب تخص بمنطوقها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

فالجواب: أنها لم تدل على أن غيرهن من النساء لا يشاركهن في حكمها. والأصل مساواة الجميع في الأحكام الشرعية إلا ما قام عليه دليل

خاص.

ولذا تقرر في الأصول أن خطاب الواحد المعين من قبل الشرع من صيغ العموم؛ لاستواء الجميع في أحكام الشرع، وخلاف من خالف من العلماء في

أن خطاب الواحد يقتضي العموم خلاف لفظي، لأن القائل بأن خطاب الواحد لا يقتضي العموم موافق على أن حكمه عام إلا أن عمومه عنده لم

يقتضه خطاب الواحد بل عمومه مأخوذ من أدلة أخرى كالإجماع على استواء الأمة في التكليف. وكحديث"ما قولي لامرأة إلا كقولي لمائة"

امرأة"فالجميع مطبقون على أن خطاب الواحد يشمل حكمه الجميع إلا لدليل خاص، واختلافهم إنما هو هل العموم بمقتضى اللفظ أو بدليل"

آخر" [140] ."

فالآية عامة عمومًا معنويًا يشمل جميع النساء [141] ، سواء أكان طريق إثبات هذا العموم العقل [142] لورود العلة التي يدور عليها الحكم

في آخر الآية، أو العرف اكتفاء بأول الشاهد من الآية، وهذا ما يعرف عند الأصوليين بفحوى الخطاب، ويسميه بعضهم لحن الخطاب [143] أو

تنبيهه، ويعرف عند البعض بمفهوم الموافقة، وهو أن يكون المسكوت عنه موافقًا في الحكم للمنطوق به؛ أولى منه، أو مساو له، وقد يسميه الشافعي

القياس الجلي [144] ، وآخرون دلالة النص، وقد قالوا: الثابت بدلالة النص لايحتمل الخصوص [145] ، وإذا كان المسكوت عنه أولى

ربما سماه البعض قياس الأولى [146] ، فسواء قيل بهذا أو هذا فإن الأصوليين اتفقوا على أن مثل هذا يدخل فيه عمومهن، وإن اختلفوا هل يسمى

قياسًا أو لا، ولعله تأتي الإشارة إليه عند ذكر الدليل الرابع.

2-الأمر بغض البصر والعفو عن الفجأة:

أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك فقال تعالى:"قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُوا مِنْ أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِك أَزكَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا"

يَصْنَعُونَ . وَقُلْ للّمُؤمِنَاتِ يَغضُضُنَ مِن أَبَصَارِهِنَّ"الآيتين. ولم يعف الشارع إلا عن نظر الفجأة، فقد صح عن جرير بن عبد الله رضي الله"

عنه أنه قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري" [147] ، وروي عن علي -رضي

الله- عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة" [148] ، وبمعناه

عدة أحاديث، بل لم يرخص الشارع في الجلوس بالطرقات للرجال إلاّ بشرط إعطاء الطريق حقه ومنه غض البصر، ففي الصحيحين من حديث أبي

سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والجلوس بالطرقات"، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد

نتحدث فيها. فقال:"إذ أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:"غض البصر وكف"

الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" [149] . وجه الدلالة من الآيتين والآثار بعدها: أن الله أمر المؤمنين والمؤمنات"

بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، ثم بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر [150] ، فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة

عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟ والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير [151] .

وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى:"يَعلَمُ خُائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُدُورُ"فكيف تكون المخالطة؟

وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا

تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقع البصر عما أمر الله بحفظه عنه،

وإذا كان الذي يفضي إلى الوقوع في المحظور يلزم منه وقوع المحظور، ففعله حرام عند من قال بسد الذرائع وعند من لم يقل [152] ، فهو

بمثابة ما لا يتم الامتثال إلاّ به، وعلى أقل الأحوال هو بمثابة"الذرائع"التي تفضي إلى المحظور غالبًا، وقد ذكر أهل العلم أن الحكم إذا علق

بمظنة استوى وجودها وعدمه.

وهذا الوجه ذكر نحوًا منه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، فقال:"الثاني والسبعون من شعب الإيمان: الغيرة وترك المذاء"وذكر قول

الحليمي في تعريف المذاء، فقال:"أن يجمع الرجال والنساء ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضًا، وقيل هو إرسال الرجال مع النساء من قولهم مذيت"

فرس إذا أرسلتها ترعى"ثم قال:"وقال الله عز وجل:"وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما"

ظهر منها"وقال:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا"فدخل في جملة ذلك أن يحمي الرجل امرأته وبنته من مخالطة"

الرجال.." [153] ."

عم يغض البصر!

وهنا لعله يرد سؤال عن ماذا يغض طالما أن الحجاب مفروض والقرار مأمور به، فعم يُغض البصر؟ وجوابه أن غض البصر يكون عن المحارم

كلها، فقد تخرج امرأة لحاجة، وربما خرجت نساء مترخصات بغير حاجة، وربما كان المجتمع -كشأن سائر المجتمعات- خليطًا لايخلو من

كتابيات ونحوهن، وغض البصر مطلوب عن كل سافرة، أو هيفاء مقبلة، أو عجزاء مدبرة، بل مطلوب حبس اللحظ عن لحظ غضيضة طرف غافلة،

سواء كانت معذورة، أو مائلة مميلة، أو أمة أو كتابية. والشريعة الإسلامية بحمد الله واقعية تتعامل مع طبائع الناس على اختلاف أصنافهم، فتشرع

الأحكام لكافة الأحوال، فهي صالحة لكل زمان ومكان وحال، ما فرط ربنا في الكتاب من شيء، وهذه الواقعية سمة ظاهرة في التشريع، ومن تأمل

وجد أنه ما من محرم إلاّ وقد شُرعت أحكام تتعلق بمن يقارفه عامدًا أو يقترفه لعذر أو جاهلًا.

3 -حديث:"المرأة عورة..".

روى ابن خزيمة في صحيحه وغيره حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت