فهرس الكتاب

الصفحة 2747 من 3028

القتال في ذلك الجيل، فإنه يحتاج إلى سواعد الرجال، وبنية المرأة ضعيفة ولهذا لم يوجب عليها القتال [128] كشأن سائر الضعفاء قال في

السير:"لايعجبنا أن يقاتل النساء مع الرجال في الحرب، لأنه ليس للمرأة بنية صالحة للقتال، كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في"

قوله:"هاه، ما كانت هذه تقاتل"، وربما يكون في قتالها كشف عورة المسلمين، فيفرح به المشركون، وربما يكون ذلك سبب لجرأة المشركين

على المسلمين فيقولون: احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء على قتالنا، فليتحرز عن هذا، ولهذا المعنى لايستحب لهن مباشرة القتال إلاّ أن يضطر

المسلمون إلى ذلك، فإن دفع فتنة المشركين عند تحقق الضرورة بما يقدر عليه المسلمون جائز بل واجب" [129] ، ولهذا ورد أنه يرضخ لهن"

إن خرجن من الغنيمة ولايُسهم وما ورد في إسهامه لبعضهن حمل على الرضخ [130] وذلك لعدم شهودهن القتال.

وقد تقرر أن الضرورة تبيح المحظور، فإن اضطرت النساء لمباشرة القتال إذا انهزم المسلمون أو عم النفير واختلطت الأمور، فلا حرج في

مشاركتهن ودفاعهن عن أنفسهن، وعلى مثل هذا يحمل ما رُوي عن بعض الصحابيات كأم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها إن

صح [131] ، بل هو ظاهر ما نقل عنها -وعن غيرها رضي الله عنهن- فقد كانت مشاركتها بعد أن انهزم الناس فلم يبق حول النبي صلى

الله عليه وسلم إلاّ نُفير [132] .

كما أن لهن أن يجاهدن بغير إذن إذا دهم المسلمين عدو في قعر الدور، ففي مثل هذه الأحوال ليس لهن إلاّ أن يدافعن عن دينهن وأعراضهن وأنفسهن

وقد اختلف أهل العلم هل هذا واجب عليهن في تلك الحال أو لهن اللواذ بالفرار؟ قال الشافعي رحمه الله:"ولو شهد النساء القتال فولين رجوت"

أن لا يأثمن بالتولية، لأنهن لسن ممن عليه الجهاد كيف كانت حالهن" [133] ."

تنبيه:

رويت آثار عن بعض النساء وأخبار بعضها ليس فيها حجة وكثير منها لايثبت، وهو في كتب المغازي والسير كثير، وقد قال الإمام ابن تيمية:""

قال الإمام أحمد ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازى، ويروى ليس لها أصل أي إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل مثل ما يذكره

عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم والواقدى

ونحوهم" [134] ."

الخلاصة..

بناء على ما سبق فليس في جهاد النساء المأثور إباحة امتزاج الرجال بالنساء أو اجتماعهم متداخلين في ميدان واحد، بل لا يُتصور وجود النساء أو

غيرهن من أجل المداواة والإسعاف وسط ميدان المعركة الذي يختلط فيه الحابل بالنابل وتتطاير فيه الرؤوس، وقد عُلم أنَّ لِمَنْ يشتغل بالإسعاف

والمداوة أماكن خاصة منعزلة يخلى إليها الجرحى أو المرضى.

ومعلوم أن ما أباحتة الضرورة يقدر بقدره ومن ذلك مباشرة المرأة علاج الجريح المثخن والمريض المقعد وفقًا لشرطه، ومنه أيضًا التحامها بالرجال

للذود عن عرضها وحماية نفسها.

هذا مع أن الحال في موطن الجهاد بعيدة عن الظِنَّةِ، فأنى لمن طُنَّت قدمه أو فُتَّ عضده أن يلتفت يمنة أو يسرة، وهل يُظن بمَنْ تُعايِن أمثال هؤلاء، و

من يشارفون على الهَلَكَة كل حين، بل لاتدري إلى أيِّ شيء يصير أمرها إذا انجلى غبار المعركة، هل يُظن أنّ هذه كغيرها؟ فكيف إذا كُنَّ نساء

الصحابة ورجالاتها؟ فكيف يقال بجواز الاختلاط بعد ذلك في الأسواق وغيرها من مواطن الرِيَبِ وأسباب الفتن. بل كيف يقال بجواز مشاركتهن

في الجيش أو الشرطة مع معطيات واقع الناس اليوم.

أيحق لمنصف قرأ الشريعة، وعلم مقاصدها، ونظر في دَأَبِها على حماية النساء بسياج يحول دونهن ودن الخلطة والابتذال، أيحق له أن يستدل بما وقع

عرضًا أو اضطرارًا على جواز الاختلاط في المنتديات والقاعات، ولنُسلِّم جدلًا -على سبيل قل إن كان للرحمن ولد- بأن الاختلاط حق مكفول

في الحج والجهاد وبعض التشريعات فهل يقبل في موازين العقول قياس أماكن اللهو والفساد على مواطن الإيمان والجهاد؟ أيستوي مكتب ضيق أو

محل لاتؤمن فيه ريبة، مع موطن يزداد فيه الإيمان، ويتنزل فيه الرضا على العباد من الرحمن؟

إنه قياس مع الفارق، ومثله قياس خروج بعض النساء مع ضوابط الأمس في الغزو، بدخول بعضهن الشرطة أوالجيش في واقع الناس اليوم.

قال الشيخ بكر أبوزيد:"وعن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله ! تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث ؟ فأنزل"

الله:"وَلاتَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اللهُ بِه بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ" [ النساء: 32 ] . رواه أحمد، والحاكم وغيرهما بسند صحيح .

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى تعليقًا على هذا الحديث في [ عمدة التفسير: 3/ 157 ] :( وهذا الحديث يرد على الكذابين

المفترين -في عصرنا- الذين يحرصون على أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، فيخرجون المرأة عن خدرها، وعن صونها وسترها الذي أمر الله

به، فيدخلونها في نظام الجند، عارية الأذرع والأفخاذ، بارزة المقدمة والمؤخرة، متهتكة فاجرة، يرمون بذلك في الحقيقة إلى الترفيه الملعون عن

الجنود الشبان المحرومين من النساء في الجندية، تشبهًا بفجور اليهود والإفرنج، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة )انتهى" [135] ."

بعض أدلة المنع من الاختلاط من الكتاب والسنة الثابتة:

ما سبق من تقرير مراعاة الشريعة لأصل الفصل بين الرجال والنساء في التشريع، دليل ظاهر يفيد تحريم الاختلاط، خاصة مع بيان تلك النماذج التي

ربما اشتبهت على البعض، فظنها حجة له وهي على خلاف قصده، وسوف يأتي ذكر طرف من مراعاة أهل العلم لهذا الأصل في سائر الشريعة، ومع

ذلك فإن أدلة الكتاب والسنة الصحيحة جاءت متعددة في المنع من الأسباب المؤدية إلى الاختلاط، وكذلك في المنع من أمور يقتضيها الاختلاط، ولاشك

أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم ترك النهي إلاّ به فهو منهي عنه، ولئن كان هذا اللفظ (الاختلاط) حادثًا، فإن حكم معناه يستنبط من

نصوص عامة، و أخرى صريحة جاءت بقطع أسبابه، وثالثة جاءت بقطع مايقود إليه.

وفيما سبق ذكر شيء من ذلك، وفيما يلي طرف لنصوص عامة يدخل في معناها الاختلاط، وأخرى جاءت بمنع أسباب الاختلاط، وثالثة حَرّمت أمورًا

يقتضيها الاختلاط:

1 -قوله تعالى:"وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًَا فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ".

دلت هذه الآية على أن الأصل احتجاب النساء عن الرجال، فقد"أوجب الله أن يكون الخطاب بينهن من وراء حجاب يحجز بين المرأة والرجل"

وهذا ظاهر في تحريم الاختلاط" [136] ، قال القاضي عياض في فرض الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم:"ولايجوز

لهن إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات إلاّ ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز، قال الله تعالى:"وإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعًَا فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ"

وَرَاءِ حِجَابٍ"، وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن، كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر،"

ولما توفيت زينب رضي الله عنها، جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها" [137] ، والآية وإن كانت موجهة لنساء النبي صلى الله عليه"

وسلم، غير أنها جاءت معللة بقول ربنا سبحانه:"ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهُنَّ""فبين أن العلة هي طهورية قلوب النوعين، والتباعد عن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت