فهرس الكتاب

الصفحة 2746 من 3028

ومن مراعاتهم للمنع من الاختلاط في النسك قولهم: لايستحب لها أن تزاحم الرجال لاستلام الحجر الأسود [112] .

وقولهم: لاتقف المرأة على الصفا للدعاء إلاّ إذا خلا المكان عن مزاحمة الرجال، ويكون سنة في حقها إذا خلا المكان [113] .

ولعله يأتي ذكر طرف من أقوالهم التي تفيد اعتبارهم المنع من الاختلاط في التعليل للأحكام.

ومما سبق نخلص إلى أن الشارع حف الحج والعمرة بمأحكام تكفل منع الخلطة المحرمة ومن ذلك اشتراط المحرم، ومع ذلك ندب المرأة إلى ترك

مزاحمة الرجال، واستحب لها الفقهاء لأجل ذلك ما لم يستحبوه للرجال. وقد كانت أمهات المؤمنين ونساء الصالحين يراعين ذلك فيمتزن عن

الرجال، غير أنه تبقى طائفة نسوةٍ في القديم والحديث يصدق فيهن قول الأول:

من اللائيْ لم يحججن يبغين حسبةً ولكن ليقتلن البريءَ المغفلا

فعلى أخت الإسلام أن لاتغتر بهن، نسأل الله أن يصلح حال أخواتنا وأمهاتنا ونسائنا ونساء المسلمين.

إن خروج النساء في الصدر الأول للغزو تطوعًا بل واستشهاد بعضهن حق لامرية فيه، وقد بوب البخاري في صحيحه؛ باب: الدعاء بالجهاد

والشهادة للرجال والنساء، وباب: غزو المرأة في البحر، وباب: حمل الرجل امرأته في غزو دون بعض نسائه، وباب: غزو النساء وقتالهن

مع الرجال، وباب: مداواة النساء الجرحى في الغزو، وباب: رد النساء الجرحى والقتلى.

غير أن الشارع لم يوجب عليهن الجهاد بالاتفاق [114] ، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم:"أفلا نجاهد؟"قال:

"لا، لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور" [115] ، ومن علله قول الصنعاني:"لأن النساء مأمورات بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه"

مخالطة الأقران، والمبارزة ورفع الأصوات" [116] ، وقد نص أهل العلم على أن الذكورية شرط لوجوبه."

بيد أن خروج النساء في العصر الأول للجهاد كان منضبطًا بضوابط الشريعة، والتي منها مراعاة المنع من الاختلاط، وأسباب الفتنة، فمن أجازوا

خروج النساء للغزو [117] اختلفوا في خروج الشابة إلى أرض العدو بينما رخصوا للعجوز، وقالوا بالكراهة لخروجها في سرية لايؤمن

عليها، وعلق بعضهم الإباحة بكون العسكر كثيرًا تؤمن عليه الغلبة [118] ، وهذا هو الأقرب.

ومن الضوابط الشرعية لجواز خروج النساء للجهاد:

وجود المحرم لعموم أدلته، وعدم وجود ما يخصص موطن الجهاد، وقد نص أهل العلم على ذلك [119] .

وهذا هو الذي ورد عن الصحابة فقد كانوا يخرجون للجهاد وربما صحبوا بعض المحارم من نحو زوجة وأم، ولا أظن أن منصفًا لبيبًا يتصور خروج

نساء ذلك الجيل للجهاد وبقاء أزواجهنّ أو أبنائهن أو أخوالهن أو أعمامهن أو سائر محارمهن في قعر البيوتات! ومن ظن ذلك فقد أساء الظِنّة بمن

أثنى الله عليهم وأوجب حسن الظن بهم،"لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين"، بل كانوا يبادرون إلى

الجهاد، وأخبار مبادرتهم مشهورة معروفة، وقد تخلف في أحد المغازي ثلاثة نفر فأنزل الله فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، كما قال عز وجل:""

وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ

اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"."

ومن ضوابط الشرع التي يقتضي حسن الظن بهن التزامهن بها؛ الحجاب والتستر، فالأمر به عام ولم يأت ما يخرج محل الجهاد عن ذلك العموم،

والأصل التزامهن بأمر الشارع.

ثم كيف يظن بمن خرجت لنفل إهمالها لواجبٍ يتنزل الأمر به، ومبلغه قائم تراه بأم عينها.

وظيفة النساء في الجهاد:

قديمًا قالت العرب:"لاتسد الثغور بالمحصنات"، وهذا حق فإن القتال وسد الثغور، لايناسب بنية المرأة وخِلقتها، ولاسيما في تلك العهود، ومن

تأمل خروج النساء في الجهاد وجده لحاجة الخدمة والرجوع بالموتى، أولضرورة مداواة المرضى والجرحى، أما إذا لم تكن ثمة ضرورة فلا تباشر

علاج أجنبي، قال الشوكاني:"قال ابن بطال: ويختص اتفاقهم ذلك بذوات المحارم، وإن دعت الضرورة فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل"

على ذلك اتفاقهم أن المرأة إذا ماتت ولم توجد إمرأة تغسلها، أن الرجل لايباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري،

وفي قول الأكثر تيمم، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وغسل الميت أن الغسل عبادة والمداواة

ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات" [120] وهذا الكلام ينسحب على غير الغزو وإن كان وقوعه في الغزو أكثر."

هذا هو الأصل في خروجهن للجهاد، وتلك هي وظيفتهن، يؤكد ذلك حديث الربيع بنت معوذ في البخاري وغيره:"كنا مع النبي صلى الله عليه"

وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة"، وفي لفظ"فنسقي القوم ونخدمهم" [121] ."

غير أنه وردت أخبار تفيد خروج النساء عن هذا الأصل في بعض حالات الاضطرار، فربما شاركن في القتال، ولعله تأت الإشارة إليه قريبًا.

حكم شهودهن القتال والتحامهن بالرجال

ليس للمرأة أن تشهد القتال وتلتحم بالرجال، قال ابن حجر في الفتح معلقًا على تبويب البخاري: غزو النساء وقتالهن مع الرجال، وقد أورد فيه

حديث أنس رضي الله عنه في اشتغال بعضهن بالسقيا فقال:"لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم"قال:"ولقد"

رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما [122] تنقزان القرب"وقال غيره:"تنقلان القرب على متونهما

ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم" [123] قال ابن حجر:"ولم أر في شيء من ذلك

التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنير: بوب على قتالهن وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن

ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلاّ وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب. انتهى"، ولغرابة أن يكون مراد البخاري بقوله وقتالهن مع"

الرجال، أي اشتراكهن فيه، التمس ابن حجر -رحمه الله- للتبويب وجهًا بعيدًا فقال:"ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن"

لايقاتلن وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله:"وقتالهن مع الرجال"أي هل هو سائغ؟" [124] ولعل في هذا بعدا كما قال العيني:"

"لم يكن غرض البخاري هذا الاحتمال البعيد أصلًا، ولا هذا التقدير الذي قدره، لأنه خلاف ما يقتضيه التركيب، فكيف يقول: هل هو سائغ؟ بل"

هو واجب عليها الدفع إذا دنا منها العدو" [125] ، وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير وقتالهن مع الرجال أي في حال الاضطرار إذا دنى منهن"

الرجال كما في الأثر، غير أن قول العيني بل هو واجب محل نظر، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى إباحة توليتهن الأدبار بالفرار حال الانهزام وسيأتي

نص الشافعي فيه قريبًا. وقد أورد البخاري الآثار في خدمتهن الجيش ورعايتهن الأسرى وإرجاعهن الموتى بعد أن ذكر خروجهن للغزو

ومشاركتهن فيه، وكأنه يشرح كيف كان جهادهن، ولهذا قال الصنعاني:"وفي البخاري ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف الجهاد سقي"

الماء ومداواة المرضى ومناولة السهام" [126] ، وقد جاء عند أحمد وغيره في أثر ابن عباس عندما سئل عن شهود النساء للقتال، أنهن كن"

يداوين الجرحى ويقمن على المرضى ولايحضرن القتال [127] ، وهذا هو المتوجه فلايتصور خروج النساء لمباشرة القتال مع تصور طبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت