صغره" [83] ، وقريب منه قول الخراشي في تعليل استحباب صلاة العيد في الفضاء حيث يقول:"ولبعدهن من الرجال لما فرغ من خطبته
وصلاته، جاء إليهن فوعظهن وذكرهن، فلو كن قريبًا لسمعن الخطبة.." [84] ، ومع ذلك اختلف أهل العلم فقال ابن عبدالبر:"..قال
مالك لا يمنع النساء الخروج إلى المساجد، فإذا جاء الاستسقاء والعيد فلا أرى بأسا أن تخرج كل امرأة مُتَجَّالَّة [85] . هذه رواية ابن القاسم
عنه.
وروى عنه أشهب قال: تخرج المرأة المتجالّة إلى المسجد، ولا تكثر التردد، وتخرج الشابة مرة بعد مرة. وكذلك في الجنائز يختلف في ذلك
أمر العجوز والشابة في جنائز أهلها وأقاربها [86] .
وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها، وإن كانت عجوزًا.
قال الثوري: قال عبد الله: المرأة عورة، وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان.
وقال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين.
وقال ابن المبارك أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين [87] ،
فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك" [88] ."
ثم قال أبو عمر:"أقوال الفقهاء في هذا الباب متقاربة المعنى وخيرها قول ابن المبارك لأنه غير مخالف لشيء منها ويشهد له قول عائشة: لو"
أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن المسجد، ومع أحوال الناس اليوم ومع فضل صلاة المرأة في بيتها فتدبر
ذلك" [89] ، وفي زماننا هذا ما أحوجنا لأن نتدبر ذلك."
ثم إن جواز شهودهن الجمع والجماعات بالضوابط التي وضعها الشارع لصلاة المرأة في المسجد، دليل واضح يفيد مراعاة الشريعة لأصل الفصل
بين الرجال والنساء، فقد جعل الشارع صلاة المرأة في قعر دارها خير لها حتى جاء عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم:"صلاة"
المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" [90] قال في العون:"لأن مبنى أمرها
على التستر" [91] ، قال ابن حجر:"ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء
من التبرج والزينة" [92] ، وقد قال ابن عبدالبر بعد أن ذكر أحاديث مسندة في لزوم المرأة بيتها:"قد أوردنا من الآثار المسندة في هذا الباب
ما فيه كفاية وغنى فمن تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب" [93] ."
وبعد ذلك إذا خرجت المرأة أمرها الشارع أن تخرج تفلة غير متطيبة ولا متزينة، فإن خالفت ذلك عصت الله بخروجها ولو إلى مسجد، كما في
صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس"
طيبًا" [94] ."
ثم إذا جاءت المسجد تدخل من باب خاص لايدخل منه الرجال فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى
المسجد جعل بابًا للنساء، وقال:"لو تركنا هذا الباب للنساء"قال نافع فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات [95] ، وروى نافع أن عمر -
رضي الله عنه- كان ينهى أن يدخل من باب النساء [96] . فإذا دخلت المرأة المسجد كان خير صفوفها أبعدها عن الرجال، وكان شرها
أقربها منهم لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء"
آخرها، وشرها أولها" [97] ، وقد علل الفقهاء ذلك لما فيه من البعد عن مخالطة الرجال [98] ، فإذا خرجت من المسجد فعليها أن تستأخر"
وتلتزم حافة الطريق كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق"
فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها كما جاء عند أبي داود بسند حسن [99] . قال ابن الأثير: يحققن
الطريق هو أن يركبن حقها، وهو وسطها [100] ، ووجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرص على قطع كل سبب للاختلاط وإن
كان غرض الخروج أداء الفرض فكيف يسوغ في غيره، وإذا منعهن من الاختلاط العابر في الطريق إلى المسجد والمؤقت في داخل المسجد لأنه
يؤدي إلى الافتنان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غيره؟
4-حج النساء واعتمارهن:
مما فرضه الله على المرأة والرجل، الركن الخامس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، ولما كانت أعمال الحج والعمرة يتحد محلها للرجال والنساء،
ولامصلحة من تغيير وقته أو فصل محله فإن في ذلك عنتًا لايخفى على المتأمل، لهذا اقتصر التشريع على وضع ضوابط لمن قصد هذا الركن من
النساء، تكفل صيانة أعراضهن، وتمنع من اختلاطهن بالرجال [101] قدر الإمكان، ومن ذلك أن الشارع لم يوجب على المرأة حجًا أو عمرة
إلاّ إذا كان معها محرم، ومن أباح لها السفر من الفقهاء مع رفقة من النساء مأمونةٍ قال:"لتستأنس بهنَّ ولاتحتاج إلى مخالطة"
الرجال" [102] ، بل كره مالك أن تركب البحر ولو للحج لأنه مظنة خلطة، وفرق فقهاء المالكية بين ما إذا كان في السفينة مكان تستغني به عن"
مخالطة الرجال فجوزوا هذا ومنعوا إذا لم يكن [103] ، ثم جعل الشارع رخصًا لمن كانت معه نساء أوضعفة ليست لغيره، كالدفع من مزدلفة
بليل فقد رويت فيه آثار ومن ذلك حديث عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت"يا"
بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى
رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت: لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أذن للظعن [104] . والأحاديث في هذا معروفة وقد رخص بها جمع من أهل العلم للنساء في الرمي قبل طلوع الشمس ولو كانت جمرة
العقبة.
ومن مراعاة المرأة قول طائفة من الفقهاء بجواز تأخير الرمي إلى بعد الغروب، بل إن الفقهاء مراعاة لأصل المنع من الاختلاط في الشريعة استحبوا
للمرأة ما لم يستحبوا للرجل من نحو طوافها بعيدة عن البيت [105] ، ورخصوا لها في تأخير طواف القدوم إلى الليل خشية
الزحام [106] .
وفي البخاري:"قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه"
وسلم مع الرجال! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن
يخالطن. كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حَجْرة [107] من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت
انطلقي عنك وأبت.." [108] ، ولهذا كره بعض الفقهاء الطواف مع وجود الاختلاط بين الرجال والنساء قال الحطاب في مواهب الجليل:"
"نقل في المسائل الملقوطة عن والده أنّه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء" [109] .
ومن مراعاة بعض أمهات المؤمنين للأمر بلزوم البيوت ونبذهن الاختلاط، اكتفاؤهن بحجة الفريضة، وترك القيام للتطوع، وهذا مأثور عن زينب
وسودة رضي الله عنهما، امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه:"هذه ثم ظهور الحصر" [110] .
ومن مراعاة أهل العلم للمنع من الاختلاط قول ابن جماعة في منسكه الكبير:"ومن أكبر المنكرات ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة"
الرجال بأزواجهم سافرات عن وجههن، وربما كان ذلك في الليل، وبأيديهم الشموع متقدة..."إلى أن قال:"نسأل الله أن يلهم ولي الأمر
إزالة المنكرات"، قال الهيتمي بعد أن نقله:"فتأمله تجده صريحًا في وجوب المنع حتى من الطواف عند ارتكابهن دواعي
الفتنة" [111] ."