منها: ملك الاحتباس وهو صيرورتها (الزوجة) ممنوعة من الخروج والبروز لقوله تعالى:"أَسْكِنُوهُنَّ", والأمر بالإسكان نهي عن
الخروج, والبروز, والإخراج, إذ الأمر بالفعل نهي عن ضده, وقوله عز وجل:"وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ"وقوله عز وجل:"لا"
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ"ولأنها لو لم تكن ممنوعة عن الخروج والبروز لاختل السكن والنسب; لأن ذلك مما يريب الزوج ويحمله"
على نفي النسب. وقد مضى ذكر كلام بعض أهل العلم في تقرير أمر النساء بالقرار في معرض تناولهم لقول الله تعالى:"وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ"
وغيرها من الآيات، وسبقت الإشارة إلى بعض الأحاديث الدالة على هذا المعنى.
أما عند الحاجة كزيارة الآباء, والأمهات, وذوي المحارم, وشهود موت من ذكر, وحضور عرسه وقضاء حاجة لا غناء للمرأة عنها
ولا تجد من يقوم بها يجوز لها الخروج، إلا أن الفقهاء قيدوا ذلك بقيود من أهمها:
1 -أن تكون المرأة غير مخشية الفتنة, أما التي يخشى الافتتان بها فلا تخرج أصلا.
2 -أن تكون الطريق مأمونة من توقع المفسدة وإلا حرم خروجها.
3 -أن يكون خروجها في زمن أمن الرجال ولا يفضي إلى اختلاطها بهم; لأن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية
وشر...
4 -أن يكون خروجها على تبذل وتستر تام، قال العيني: يجوز الخروج لما تحتاج إليه المرأة من أمورها الجائزة بشرط أن تكون بذة الهيئة,
خشنة الملبس, تفلة الريح, مستورة الأعضاء غير متبرجة بزينة ولا رافعة صوتها.
5 -أن يكون الخروج بإذن الزوج, فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه. قال ابن حجر الهيتمي: وإذا اضطرت امرأة للخروج لزيارة والد
خرجت بإذن زوجها غير متبرجة. ونقل ابن حجر العسقلاني عن النووي عند التعليق على حديث:"إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد"
فأذنوا لهن" [76] أنه قال: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وللزوج منع زوجته"
من الخروج من منزله إلى ما لها منه بد, سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما. قال أحمد في امرأة لها زوج وأم
مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها... ولأن طاعة الزوج واجبة, والعيادة غير واجبة فلا يجوز ترك الواجب لما
ليس بواجب. ولا ينبغي للزوج منع زوجته من عيادة والديها, وزيارتهما لأن في منعها من ذلك قطيعة لهما, وحملا لزوجته على مخالفته,
وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف, وليس هذا من المعاشرة بالمعروف..." [77] ."
مراعاة المنع من الاختلاط في التشريع:
إذا عرضت للمرأة حاجة تسوغ خروجها فلا حرج عليها إن خرجت وفقًا لما سبق بيانه، غير أن تلك الحاجة لاتسوغ اختلاطها بالرجال إلاّ أن تكون
ضرورة، وذلك لحرمة الاختلاط وإن من أقوى الأدلة على تحريم الاختلاط، رعاية الشارع للنساء، وصيانته لهن من الاختلاط في سائر أحكام
التشريع.
ولهذا"اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس... وكان علمها عند الأمة كالضروري، مع"
أنه لم يثبت ذلك بدليل معين، ولا شهد به أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموعة أدلة لا تنحصر في باب
واحد" [78] ."
فمن تأمل نصوص الشريعة وجد أنها راعت طبيعة المرأة فلم توجب عليها التكاليف التي يكون فيها بروز ومخالطة للرجال، ومن ذلك إيجاب الجمع
والجماعات على الرجال دون النساء، ومنه فرض الجهاد على الرجال دون النساء، وكذلك فرض النفقة على الرجل دون المرأة.
لكن ربما دعت الشريعة النساء إلى شهود ما يحضره الرجال، خلافًا للأصل الذي قررته وهو قرارهن في البيوت، غير أن المتأمل يلحظ في هذا أحد
أمرين:
الأول: إما أن تكون المناسبة مما يفوت وقته وتذهب مصلحته بتأخيره كنحو شهود الأعياد.
الثاني: يضيف إلى ما سبق أن يكون محل المأمور به واحدًا، اقتضت الحكمة الإلهية أن لايتعدد، كالطواف والسعي والرمي وغيرها من أعمال الحج
أو العمرة.
وفي كلا الأمرين مصلحة العبادة تشمل جميع المكلفين، والعنت يلحق الناس إذا وضع لها الشارع نمطًا يكفل عدم الاختلاط، ومع ذلك فإن نحو هذه
العبادات وضع الشارع لها من الضوابط ما يكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء.
وإذا نظرت إلى واقع النساء في العهد الأول، وجدتهن بعيدات عن خلطة الرجال، يخرجن للحاجات والضروريات، متقيدات بالشريعة غير مفتئتات،
ملتزمات في عبادتهن بما يكفل لهن الصيانة من خلطة الغرباء.
وفي ما يلي بعض العبادات التي راعى فيها التشريع ذلك الأصل وقد تكون محل التباس عند البعض:
1 -طلبهن العلم:
طلب العلم واجب على كل مسلمة، كشأن الرجال فالكل محتاج إليه، ومع ذلك لم يكنَّ يُزاحمن الرجال لأجل تحصيله، ولكن طلبن أن يَجْعَل لهنّ النبي
صلى الله عليه وسلم مجلسًا خاصًا لايكون للرجال فيه نصيب، وقد بوب البخاري في كتاب العلم من الصحيح، باب: هل يجعل للنساء يوم على
حدة في العلم، وساق حديث أبي سعيد، قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا..
الحديث [79] ، قال العيني:"أي عين لنا يومًا"وقال:"قوله غلبنا عليك الرجال معناه أن الرجال يلازمونك كل الأيام ويسمعون العلم"
وأمور الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يومًا من الأيام نسمع العلم ونتعلم أمور الدين" [80] ."
وقد نص الفقهاء على المنع من اختلاط رجال بنساء في المسجد، لما يترتب عليه من مفاسد [81] ، ويشمل ذلك الاختلاط بغية طلب العلم.
ولو كان الاختلاط جائزًا لقال لهن احضرن مع الرجال مجالس العلم والذكر، فهو أولى من تبديد الطاقات والنبي صلى الله عليه وسلم أحرص على
حفظ الأوقات.
2 -مبايعتهن النبي صلى الله عليه وسلم:
من مراعاة التشريع للمنع في الاختلاط فيها، جعل محل خاص بهن، بعيد عن الرجال، أتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولم تقل إحداهن لماذا لم
تأخذ علينا البيعة مع الرجال! بل خرجن فاجتمعن مع بنات جنسهن لهذه الحاجة الدينية، ملتزمات بالضوابط الشرعية، فأخذ عليهن النبي صلى الله
عليه وسلم البيعة وعلمهن وما مست يده يد امرأة قط [82] ، وما يُروى في صفة ذلك من نحو مصافحة عمر -رضي الله عنه- لهن نيابة عن
النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في إناء فيه ماء، أو جاء بحائل فهذا ونحوه لم يثبت بنقل صحيح، فلا يعارض
به ما ثبت.
3 -ندبهن لشهود أعياد المسلمين، وجواز حضورهن الجمع والجماعات:
صلاة العيد مناسبة يفوت وقتها وتذهب مصلحتها بتأخيرها، ومن نظر إلى مقاصد العيد علم حكمة الشارع في عدم تكرار شعائره لأجل فصل الرجال
والنساء فيه، فإن في ذلك عنتًا لايتناسب مع تيسير الشريعة، ومشقة لاتتناسب وتلك الأيام التي جعلها الشارع للتوسعة والترخص المنضبط وصلة
الأرحام، ولذلك ناسب أن يحض الرجال والنساء على أداء صلاتها جميعًا مع وضع الضوابط التي تكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء، قال ابن حجر
في تعليقه على خطبة النبي صلى الله عليه وسلم النساء يوم العيد:"قوله:"ثم أتى النساء"يُشعِر بأنّ النساء كُنّ على حدة من الرجال"
غير مختلطات بهم، وقوله:"ومعه بلال"فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة
إليه من شاهد ونحوه، لأن بلالًا كان خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب