فهذا اختلاط واضح التحريم، لمخالفته قواعد الشريعة، وقد تستثنى منه صور تحت إلجاء الضرورة، من نحو ما قد يضطر إليه الطبيب [56] .
وهناك صور الأصل فيها المنع، غير أنها تجوز للحاجة، وفق ضوابط وشروط مضت الإشارة إليها.
كما أن هناك صورًا تدخل في المعنى اللغوي والشرعي للاختلاط، ولكنها غير داخلة في المعنى الاصطلاحي على ما سبق بيانه، والأصل جوازها
كاختلاط النساء بمحارمهن، وكذلك الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، ومن كان نحوهم، ما دام جانب الفتنة مأمونًا، ومنه كذلك الاختلاط
مع وجود محرم أو فاصل معتبر وإن كان فضاءً [57] .
وقد ينتقل أصل الجواز لأحد الأحكام التكليفية الأربعة لمقتض خارجي، والله أعلم.
الأصل أمر النساء بالقرار في البيوت:
إن من متطلبات الحياة خروج الرجال وتكبدهم المشاق حِسيةً ومعنوية، وليس ذلك مطلوبًا لذاته، ولكنه من أجل الكسب وتحصيل القوت والقيام بالنفقة،
فليس الأمر بالسعي والكد تشريفًا للرجال بل هو تكليف بما يناسب خَلْقَ وأخلاق من يتجشم ذلك، وبالمقابل قرار المرأة في بيتها أليق بها، وأكثر صيانة
لها، وأصلح لأولادها وأنفع لزوجها ومجتمعها، ولهذا قالوا:"الرجل يجني والمرأة تبني".
وصدق من قال:
إذا لم تكن في منزل المرء حُرّة رأى خللًا فيما تدير الولائدُ
ولآخر:
إذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ تُدَبِّره ضاعت مصالح داره
إن"البيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة, ولا مكدودة في غير وظيفتها"
التي هيأها الله لها بالفطرة.
ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها, أوجب على الرجل النفقة, وجعلها فريضة، كي يتاح للأم من الجهد, ومن
الوقت, ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب, وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها.
فالأم المكدودة بالعمل للكسب, المرهقة بمقتضيات العمل, المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه.. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره,
ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات; وما يشيع فيها ذلك الأرج
الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لاتوجد إلا أن تخلقها امرأة, وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة, وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه
أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال
والملال" [58] ."
ولهذا كان قرار المرأة في بيتها هو الأصل،"فهو عزيمة شرعية في حقهن، وخروجهن من البيوت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو"
حاجة" [59] ،"بضوابط الخروج الشرعية" [60] ، قال الله:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى"، قال القرطبي"
-رحمه الله-"معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم"
يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف على الخروج منها إلا لضرورة" [61] ، حتى أن إمام"
التفسير مجاهد فسر التبرج هنا بما دل عليه صدر الآية فقال:"كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى" [62] ،
وقد نص غير واحد من أهل العلم على أن المرأة تلزم بيتها لاتخرج منه إلاّ لضرورة، قال ابن الحاج:"خروج المرأة لايكون إلاّ لضرورة"
شرعية" [63] ."
وقال الجصاص في الآية الآنفة:"وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهيات عن الخروج" [64] .
قال ابن العربي المالكي رحمه الله:"قوله تعالى:"وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ"يعني اسكُنَّ فيها ولا تتحرَّكن, ولا تبرحن منها، حتى إنه رُوي"
ولَم يصح [65] أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما انْصرف من حجة الوداع قال لأزواجه هذه ثم ظهور الحصر; إشارةً إلى ما يلْزمُ المرأة
من لزوم بيتها, والانكفاف عن الخروج منه, إلا لضرورة" [66] ، ونحوه ذكر ابن كثير:"يعني الزمن ظهور الحصر ولاتخرجن من
البيوت" [67] ."
قال الشيخ بكر أبوزيد:"ومن نظر في آيات القرآن الكريم، وجد أن البيوت مضافة إلى النساء في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى، مع أن البيوت"
للأزواج أو لأوليائهن، وإنما حصلت هذه الإضافة -والله أعلم- مراعاة لاستمرار لزوم النساء للبيوت، فهي إضافة إسكان ولزوم للمسكن
والتصاق به [68] ، لا إضافة تمليك، قال الله تعالى:"وقرن في بيوتكن"، وقال سبحانه:"وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَات ِاللهِ"
وَالحِكْمَةِ"، وقال عز شأنه:"لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ"" [69] .
ومع ذلك قد تقتضي الحاجة خروج النساء، وعندها فلا حرج في خروجهن إذا أمنت الفتنة وكان خروجها منضبطًا بضوابط الشريعة، فلا تخرج
متطيبة ولا متزينة، أو متبرجة ولا سافرة، ولاتزاحم الرجال في وسط الطرقات، بل تلتزم حافتها، وإذا احتاجت إلى الكلام مع الأجانب فلا تخضع
بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فمتى انقضت الحاجة أو ارتفعت الضرورة عاد كل إلى أصله.
أما إذا لم تكن ثمة حاجة فقد قال الله عزوجل:"وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ"، ومع هذا الأمر بالقرار وحذرًا من مغبة الاختلاط منع من الدخول على
النساء، قال صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر المتفق عليه:"إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يارسول
الله أفرأيت الحمو؟ قال:"الحمو الموت" [70] .
لا يأمننَّ على النساء أخٌ أخًا ما في الرجالِ على النساء أمين
بل أُثر النهي حتى عن دخول غير أولى الإربة من الرجال على النساء، ففي الصحيحين من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت:"دخل"
علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعته يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة
غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخلن هؤلاء عليكن" [71] ."
وكل ذلك لعظم فتنة النساء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة ابن زيد المتفق عليه:"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال"
من النساء" [72] ."
قال الله تعالى:"زُيِّنَ للنّاسِ حُبُّ الشَهَواتِ مِنَ النِسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِن الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ المُسَوَّمَةِ والأَنْعَامِ وَالحَرْثِ"الآية،
"فجعلهن من عين الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك" [73] ، قال القرطبي:"بدأبهن لكثرة تشوف"
النفوس إليهن لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال" [74] وذكر حديث أسامة الآنف."
وقد قالوا:
إنَّ النِسَاء رَياحِينٌ خُلِقنَ لنا وكُلُنَا يشتهي شمَّ الرياحينِ
وللآخر:
ونحن بنو الدنيا وهُنَّ بناتُها وعيش بني الدنيا لقاء بناتها
فلكل امرأة خاطب، ولكل ساقطة لاقط، ولهذا حذر عقلاء الأمم منذ القدم مغبة مخالطة الرجال للنساء،"قال بعض الحكماء: إياك ومخالطة"
النساء، فإن لحظ المرأة سهم، ولفظها سم. ورأى بعض الحكماء صيادًا يكلم امرأة فقال: ياصياد احذر أن تصاد. وقال سليمان بن داود عليهما
السلام لابنه: امش وراء الأسد ولاتمش وراء المرأة.." [75] ."
ومما سبق نخلص إلى أن"الأصل أمر النساء بلزوم البيوت، ونهيهن عن الخروج منها، وقد ذكر الكاساني عند الكلام عن أحكام النكاح الصحيح أن"