قال الله عز وجل:"ولا تَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"، والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله [30] ؛ قال العلامة
ابن سعدي: لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه؛ فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه [31] .
وللأستاذ سيد قطب كلمة لطيفة يقول فيها:"ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية, كان التعبير: ولا تقربوا. . للنهي عن مجرد"
الاقتراب, سدًا للذرائع, واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة. . لذلك حرمت النظرة الثانية -بعد الأولى غير المتعمدة- ولذلك كان
الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة. ولذلك كان التبرج -حتى بالتعطر في الطريق- حرامًا, وكانت الحركات المثيرة، والضحكات
المثيرة, والإشارت المثيرة, ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة.. فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في
المقاومة! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود, ويوقع العقوبات. وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح. وربك أعلم بمن
خلق, وهو اللطيف الخبير . ." [32] ."
وصدق رحمه الله، وقد عُلم من مدارك الشرع، أن الشارع الحكيم إذا نهى عن محرم، منع أسبابه وما يقود إليه، فالوسائل لها أحكام المقاصد،
والشريعة جاءت بسد الذرائع، والنهي عن الشيء نهي عنه وعن الذرائع المؤدية إليه، وهذه الذرائع إما أن تفضي إلى المحرم غالبًا، فتحرم مطلقًا،
وكذلك تحرم إذا كانت محتملة قد تفضي أو لاتفضي، ولكن الطبع متقاض لإفضائها، وأما إن كانت تفضي أحيانًا، فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على
هذا الإفضاء القليل حرمت [33] .
ومن أعظم مقدمات فاحشة الزنا؛ اختلاط الرجال بالنساء، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش"
والزنا" [34] ، وقال العلامة محمد ابن إبراهيم:"إن الله تعالى جبل الرجال على القوة والميل إلى النساء، وجبل النساء على الميل إلى
الرجال مع وجود ضعف ولين، فإذا حصل الاختلاط، نشأ عن ذلك آثار تؤدي إلى حصول الغرض السيئ؛ لأن النفوس أمارة بالسوء، والهوى يعمي
ويصم، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر" [35] ، وقال العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:"فالدعوة إلى نزول المرأة في الميادين
التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي ومن أعظم آثاره: الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع، ويهدم
قيمه وأخلاقه" [36] ."
وما ذكره أهل العلم أقر به الغربيون، وشهد له الواقع، قالت الكاتبة الإنجليزية الليدي كوك: .. وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد
الزنا، وهاهنا البلاء العظيم على المرأة. إلى أن قالت: علِّموهن الابتعاد عن الرجال أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد [37] .
أما الواقع فـ"في دراسة أجرتها النقابة القومية للمدرسين البريطانيين أكدت فيها أن التعليم المختلط أدى إلى انتشار ظاهرة التلميذات الحوامل سفاحًا"
(بالحرام) وأعمارهن أقل من ستة عشر عامًا، كما أثبتت الدراسة تزايد معدل الجرائم الجنسية (الزنا) والاعتداء على الفتيات بنسب كبيرة.
وفي أمريكا بلغت نسبة التلميذات الحوامل سفاحًا (48%) من تلميذات إحدى المدارس الثانوية" [38] ، وتقول راشيل بريتشرد [39] :"
"التعليم المختلط يشجع على العلاقات بين الأولاد والبنات، وإذا أُحصي عدد المراهقات الحوامل من مدارس مختلطة ومن مدارس بدون اختلاط("
خصوصًا المدارس الإسلامية) لوجدنا في الغالب أن النسبة في المدارس المختلطة تكون 57 % على الأقل مقارنة بالمدارس التي تطبق
الفصل بين الجنسين بنسبة لعلها قرب من 5% (في حين ستجد أن النسبة في المدارس الإسلامية هي الصفر) ، كما أنني أعتقد أن اختلاط الجنسين
يؤدي إلى عدم تركيزهم من الناحية الدراسية؛ لأن اهتمامهم سيكون موجهًا للجنس الآخر"."
هذا نموذج لما يقود إليه الاختلاط من معاص وخلل، ولايعني عدم ذكر غيرها ذكرًا للعدم، بل الاختلاط مقتض لمعاص أخرى، كزنا العين والأذن
واللسان وقس عليها، كما أنه سبيل إلى"هتك الأعراض، ومرض القلوب، وخطرات النفوس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء،"
وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة" [40] ،كما أنه باب لمفاسد أخلاقية، وأضرار تربوية، وقد يكون عائقًا عن وظائف المرأة وواجباتها"
الأساسية، ولعله تأتي الإشارة لشيء من مفاسد الاختلاط في الفصل الثاني من هذا البحث.
ولهذا دل الكتاب والسنة على تحريم الاختلاط [41] ، وعدم جوازه إلاّ لحاجة بوجود محرم، أو من يقوم مقامه [42] في غير سفر، وفق
ضوابط تُؤمن معها الفتنة، تختلف باختلاف الحال والمقام.
وقد وقع الخلاف في قيام غير المحرم مقام المحرم، وذلك عند دخول النساء على الرجال أو العكس، وقد أشار إلى الخلاف ابن حجر في الفتح
وذهب إلى الجواز شريطة أن يقوم غير المحرم مقامه، لضعف التهمة حينها، ثم قال:"وقال القفال: لابد من المحرم، وكذا في النسوة الثقات"
لابد أن يكون مع إحداهن محرم. ويؤيده نص الشافعي أنه لايجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات، إلاّ أن تكون إحداهن محرمًا له" [43] ."
ولعل من أدلة جوازه لحاجة مع وجود محرم على ما سبق حديث ابن عباس في الصحيح: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تسافر"
المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم". فقال رجل:"يا رسول الله! إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا،
وامرأتي تريد الحج". فقال:"اخرج معها" [44] ."
ففي الحديث حكمان تنبغي الإشارة لهما هنا، الأول: الإذن بالدخول على النساء إذا وجد المحرم.
ومما يدل على ذلك أيضًا ما ثبت عند البخاري وغيره عن سهل قال لما عرس أبو أسيد الساعدي، دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع
لهم طعامًا ولا قربه إليهم إلاّ امرأته أم أسيد، بلّت تمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته
تتحفه بذلك [45] .
قال ابن حجر:"وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من"
الستر" [46] ."
وقد اختلف أهل العلم في سد غير المحرم محله. ولعل الصواب ما سبق ذكره من صحة قيام غير المحرم محله لحاجة في غير سفر وفق ضوابط
تؤمن معها الفتنة، ولعل بعض ما نُقل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة في عهد النبوة تدل على هذا.
ومن ذلك عرض المرأة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه مع أصحابه [47] ، ومنه سؤال الصحابيات للنبي صلى الله عليه وسلم
عن أحكام الدين بواسطة [48] وبغيرها [49] .
أما الحكم الثاني في حديث ابن عباس: فهو لزوم المحرم للمرأة في سفرها، ولو لواجب [50] ، ولعل الخلاف في قيام غير المحرم محله هنا
ضعيف، فالأخبار جاءت متنوعة في منع المرأة من السفر بغير محرم ولم يثبت نص يفيد الترخيص اللهم إلاّ لضرورة، يقررها أهل الشأن.
والخلاصة:"الاختلاط بين الرجال والنساء، محرم ظاهر التحريم" [51] من حيث الأصل، وبعض صوره على ما تقرر في تعريفه، نقل
بعض أهل العلم الإجماع على تحريمها، وهي الخلوة [52] ولو بمخطوبة اتفاقًا [53] . بل قال بعض أهل العلم:"وتحرم الخلوة بغير"
محرم، ولو بحيوان يشتهي المرأة وتشتهيه كالقرد" [54] ."
وهناك صور أظهر في تحريم الاختلاط من غيرها، كـ"إذا كان فيه:"
1-الخلوة بالأجنبية، والنظر بشهوة إليها.
2-تبذل المرأة وعدم احتشامها.
3-عبث ولهو وملامسة للأبدان، كالاختلاط في الأفراح والموالد والأعياد" [55] ."