وقد حرصت في هذه الدراسة على الإحالة إلى أصول النقول، من باب نسبة الفضل إلى أهله، ولأن المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور،"نعوذ"
بالله من طفيلي تصدر بالوقاحة" [9] ."
اللهم إلاّ ما طوى النسيان موضعه أوصاحبه، وبقي معناه في الذهن، فأنشئ له العبارات، وأطلقه عن أهل العلم أو بعضهم.
أما الشبهات فلم أحرص على عزوها لأمور أهمها أنها ليست مما يتكثر به، ولأن أكثرها عرض إما في صحيفة سيارة، أو مجلة مشهورة، أو وسيلة
إعلامية مرئية أو مسموعة، كما أنك لاتدري أيُّ القائلين ابتدرها أو تولى كبرها.
وفي ختام هذه المقدمة لايسعني إلاّ أن أتقدم بجزيل الشكر وأوفره لمشايخي وإخوتي بمكتب فضيلة شيخنا ناصر بن سليمان العمر، وعلى رأسهم
فضيلته، فهو الذي حث على بسط المقال لأصل أسطر جوابية، وهو الذي مد بالمصادر والمراجع المطبوعة والإلكترونية، كما استفدت من ملاحظات
الإخوة بالمكتب العلمي لفضيلته ومن تدقيقاتهم وتوجيهاتهم فوائد مهمة فجزاهم الله خير الجزاء.
ومما يتعين كذلك شكر المشايخ الذين بذلوا من أوقاتهم الثمينة فراجعوا البحث ومهروه بتعليقاتهم القيمة، وتوجيهاتهم السديدة، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ
فهد القاضي، فجزاه الله وجزى إخوته خيري الدنيا والآخرة.
ومع ذلك يظل الإنسان للوهم كالغرض للسهم، وإنما يلتمس العذر من في فضله كمل، لاجاهل يهمل في تحصيل الفضائل، ويشري نفسه لنقص
الأفاضل.
هذا والله أسأل أن يوفق في هذه الدراسة للصواب، وأن يجنب من الزلل، وأن ينفع بها الجامع والقارئ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
معنى الاختلاط:
أجرى الفقهاء لفظ الاختلاط على مسائل شتى، والموضوع هنا اختلاط الرجال والنساء، أما من حيث وضع اللغة فالاختلاط لفظ له استعمالات عديدة
تدور على أصل واحد:
فمنه الاختلاط بمعنى التداخل، ومنه اختلاط الرجال بالنساء أي التداخل بينهم [10] .
وكذلك يكون الاختلاط بضم الشيء إلى آخر، فيقال خلط الشيء بالشيء خلطًا إذا ضمه إليه [11] .
وقد يمكن التَّمييز بعْد ذلك كما في الحَيَوانات، أَو لا يمكن كما في بعْض المائِعَات [12] .
ولهذا قالوا من معناه الامتزاج، فخلط الشيء بالشيء يَخْلِطُه خَلْطًا و خَلَّطَه فاخْتَلَطَ مَزَجَه [13] ، واخْتَلَطَ يَخْتَلِطُ اخْتِلاطًا: امتزج [14] .
والاختلاط يطلق في الأعيان والمعاني، ومن أمثلة العرب قولهم: اختلط الليل بالتراب، واختلط الحابل بالنابل، واختلط المرعيُّ بالهَمَل، واختلط
الخاثر بالزباد. وتُضرَب في استبهام الأمر وارتباكهِ [15] .
ومما سبق يلحظ أن مادة (خلط) في اللغة: أصل واحد، مضاد لـ (خلص) : وهو أصل واحد مطرد، يفيد تنقية الشيء وتهذيبه [16] .
وكأنهم يطلقونه باعتبار محل الأعيان إذا كان هناك تداخل أوتقارب أوتجاور، ولهذا قالوا للمجاور والصديق والشريك: خليط [17] ، كما أنهم
يطلقونه باعتبار العين الواحدة نفسها إن كانت هناك ممازجة أوملاصقة، وعليه فإن الاختلاط قد يقع بالتقارب، أو التجاور، أو الضم، أو التداخل، وقد
تكون معه ممازجة أو ملاصقة وقد لاتكون.
فهو أعم من الممازجة، والالتصاق، والخلوة.
والمعنى الشرعي
لايختلف عن اللغوي ومنه قوله:
""وآخَرُونَ اعتَرَفوُا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالحًِا وآخَرَ سَيَّئًا .." [التوبة:102] ، أي ضموا ومزجوا."
وقوله:"وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانِكُمْ.." [البقرة: 220] ، أي تداخلوهم.
وقوله:"أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ" [الأنعام:46] ، أي انضم والتصق.
وقوله:"وإنَّ كَثَيِرًا مِن الخُلَطَاءِ لَيَبغِي بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [ص: 24] ، أي الشركاء" [18] سموا كذلك لأن الشراكة تحصل"
بالخلط قبل العقد [19] .
قال الراغب:"الخلط: هو الجمع بين أجزاء الشيئين فصاعدا، سواء كانا مائعين، أو جامدين، أو أحدهما مائعا والآخر جامدا، وهو أعم من"
المزج، ويقال اختلط الشيء، قال تعالى:"فاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ" [يونس:24] ، ويقال للصديق والمجاور والشريك: خليط،
والخليطان في الفقه من ذلك، قال تعالى:"وإنَّ كَثَيِرًا مِن الخُلَطَاءِ لَيَبغِي بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [ص:24] ، ويقال الخليط للواحد والجمع،
قال الشاعر:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... [20]
وقال:"خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًَا وَآخَرَ سَيِّئًا" [التوبة:102] ، أي: يتعاطون هذا مرة وذاك مرة، ويقال: أخلط فلان في كلامه: إذا
صار ذا تخليط، وأخلط الفرس في جريه كذلك، وهو كناية عن تقصيره فيه" [21] ."
وكذلك ما ورد في السنة يدور حول هذه المعاني، فأصل المادة واحد كما سبق، ومنه تفسيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم: لاخلاط
ولاوراط [22] ،"بالحديث الآخر لايُجمع بين متفرق، ولايفرق بين مجتمع.. أما الجمع بين المتفرق فهو الخلاط.." [23] .، وذكر
عدة آثار لاتخرج أصول معانيها عما سبق.
المعنى الاصطلاحي:
أما المعنى الاصطلاحي، فلم أقف على من وضع له تعريفًا جامعًا مانعًا من المتقدمين، غير أن المعاصرين ذكروا له تعريفات، تدور في فلك واحد،
محوره يرتكز على المعنى اللغوي.
قال العلامة ابن باز رحمه الله في تعريف الاختلاط:"هو اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات، في مكان واحد، بحكم العمل، أو البيع، أو الشراء، أو"
النزهة، أو السفر، أو نحو ذلك" [24] ."
وقال الشيخ عبدالله بن جار الله رحمه الله:"الاختلاط هو: الاجتماع بين الرجل والمرأة التي ليست بمحرم، أو اجتماع الرجال بالنساء غير"
المحارم، في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم، بالنظر أو الإشارة أو الكلام، فخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية على أي حال من الأحوال تعتبر
اختلاطًا" [25] ."
وقال الشيخ محمد المقدم في تعريف الاختلاط المستهتر:"هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم، اجتماعًا يؤدي إلى الريبة، أو هو اجتماع"
الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن، من غير حائل أو مانع يدفع الريبة
والفساد" [26] ."
ومما سبق فاختلاط الرجال والنساء هو امتزاجهم، أو انضمام بعضهم لبعض، أو تداخلهم، سواء كان ذلك بملاصقة أو بغير ملاصقة.
فدخول الأجنبي على النساء اختلاط بهن، ودخول الأجنبية على الرجال اختلاط بهم، ودخول بعضهم على بعضهم اختلاط، وأما دخول أحدهما على
الآخر في رقعة ليس فيها سواهما ممن يعقل، أو كان فيها ولكن قام فاصل معتبر حال بينه وبينهم فتلك خلوة، وهي صورة خاصة من الاختلاط.
ولايكون الاختلاط مع وجود حائل معتبر -في جميع الصور السابقة- ولو كان فضاءً.
ولعل تقدير اعتبار الحائل أمر عرفي، تعتبر فيه الحال، إذ ليس فيه نص مُقيِّد، أو معنى مُنضبِط.
ولهذا أثر أن عائشة رضي الله عنها كانت تطوف بالبيت حجرة غير مختلطة بالرجال، ونظائره، مما سيأتي في موضعه.
تنبيه: الأصل في لفظ الاختلاط الذي يطلق في هذا البحث هو ما قرر هنا من معنى اصطلاحي فليلحظ.
حكم الاختلاط بالأجانب وحكمته:
اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال،
والعقل [27] . وهذه الضروريات إذا فقدت، لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة. وفي الأخرى فوت
النجاة..
وفاحشة الزنا -كما ذكر أهل العلم- انتهت من القبح إلى الغاية، فهي من أعظم الفواحش، ومن أشدها خطرًا على ضروريات الدين؛ ولهذا صار
تحريم الزنا مجمعًا عليه من قبل العامة والخاصة [28] ، فهو معلوم من الدين بالضرورة [29] ، ونصوص تحريمه ظاهرة مشهورة.