إيجاز مُخل.
نفع الله بعلمه، وسدده وهداه، وبَلّغه في الخير مناه، وصلى الله وسلم على الحبيب المصطفى -محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
وكتب/ ناصر بن سليمان العمر
الشرقية - السبت 16/12/1424
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلاّ وأنتم مسلمون"،"يا"
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان
عليكم رقيبًا"،"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا
عظيما"."
وبعد، فإن نساء المسلمين في الصدر الأول، كُنّ دررًا مصونة، ولآلئ مكنونة، غير ولاجاّت خرّاجات، وإن خرجن للحاجات، فهن العفيفات
المتحفظات، وهكذا كانت نساء العرب أُنُفًا، وفي"المفضليات"قول الشنفرى:
لقد أعجبتني لاسَقُوط قِناعها = إذا مشت ولا بذات تَلَفُّتِ
كَأَّنَ لها في الأرض نَسيًا [1] تقُصُّه = على أَمِّها وإنْ تُكلِّمْكَ تَبْلِتِ
وهذا أبو قيس بن الأسلت -مختلف في صحبته- يمدح إحداهن فيقول:
تشتاقها جاراتها فَيَزُرْنهَا = وتَعتَلُّ عن إتيانهن فَتُعْذَرِ
وليس لها أن تستهين بجارةٍ = ولكنّها مِنهنّ تَحْيَا وتَخفُرِ
ثم جاء الإسلام وتمم مانقص، فسجل التاريخ لنساء الإسلام في العهد الأول، نزاهة ذادت مرؤة رجالها عنها طير الرِيَب، وعلى مِنْوال أولئك السابقين
الأولين، كانت عصور التابعين والأئمة المرضيين. ولاتحسبنَّ التمدح بالقرار ونبذِ مخالطة الرجال، كان شيمة العلماء والصالحين فحسب، بل هي
صبغة ذلك الجيل، يقول شاعر الغزل جميل -في أوائل القرن الهجري الثاني:
خُودٌ مِنْ الخَفِرَاتِ البِيْضِ لم يرها بِسُدَّةِ البيتِ لا بَعلٌ ولاجَارُ
وعلى هذا الأسلوب جرى مدح العرب عدة قرون، فهذا الرضي أشعر القرشيين في أوائل القرن الهجري الخامس يشيد بامرأة فلا يجد أجدر من أن
يقول:
دون القِبَابِ عَفافٌ مع خلائقِها = والصَونُ يَحفَظُ ما لا تَحفَظِ الخِيَمُ
وقد ظلت نساء المسلمين مصونة في مدن حصينة ضد غزو التغريب، عبر عقود بل قرون ازدهرت فيها حضارة الإسلام، بينما كان يقبع غيرهم في
ما يُعرف اليوم برجعية العصور الوسطى، أو عصور الظلام.
ثم مع انحسار العفاف رويدًا رويدًا، بدأت تنحسر دولة الإسلام شيئًا فشيئًا، ومع ذلك ظلت بعض المدن تعرف بالصيانة والعفاف، يقول ابن العربي -
رحمه الله- في النصف الأول من القرن السادس:"ولقد دخلت نيِّفا على ألف قرية من بريَّة, فما رأيت نساء أصون عيالًا, ولا أعفَّ"
نساءً من نساء نابلس التي رُمي فيها الخليل عليه السلام بالنَّار, فإنّي أقمت فيها أشهرًا, فما رأيت امرأة في طريق نهارًا, إلاَّ يوم الجمعة,
فإنهنَّ يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهنَّ, فإذا قُضيت الصلاة, وانقلبن إلى منازلهنَّ لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأُخرى.
وسائر القُرى تُرى نساؤها متبرِّجاتٍ بزينةٍ وعُطْلَة [2[, متفرِّقاتٍ فِي كلِّ فتنةٍ وعُضْلَةٍ[3] . وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن
من مُعتكَفِهِنَّ حتى استشهدن فيه" [4] ."
ثم استشرت الفتن، وجاءت الأهواء فساقت الناس نحو جحر الغرب المظلم، فبعد أن كان الاختلاط علقمًا يشرق به الخاصة والعامة، بدأت عملية
تسويغه، عن طريق المدارس الاستعمارية العالمية [5] ، بدعوى أن علاج (الرجل المريض) يكمن فيها، وذلك مطلع القرن الرابع عشر، فما بلغ
أبناء تلك المدارس الخمسين، وما انتصف القرن، إلاّ وقد مات (الرجل) ، بعد أن هيأت تلك المناطق المشبوهة مناخًا جيدًا لتفريخ أجيالٍ من
المستغربين، الذين رأوا أن استعادة الأمة مجدها، وعودها إلى سابق عهدها، وخروجها من واقعها المظلم، لن يكون إلاّ بإحراق كل فضيلة، في سبيل
(التنوير) .
هذا ومع خفوت وهج مصابيح الدجى، عميت أنباء الشريعة على كثير، واستُبهمت واضحاتها، فاختلط حكم الاختلاط، والتبست أحكام اللباس، و(
استعجم) العرب ما جاء في التشريع وبخاصة ما يخص المرأة.
فكانت الفرصة مواتيةًً لخروج دعايا ودعِيّات التحرير، اللآتي لم يرفعن بهدى الله رأسًا، ولم يرين في وأد العفة بأسًًا.
أولئك ما أتين بنصح (خِلَّةْ) = وما دِنَّ الإله ولايدِنّه
فنادوا بتغريب الفتاة، وعمدوا إلى إلغاء كل تشريع إسلامي يخص المرأة، بتدرج محسوب، وخطوات بطيئة، يستدرجون بها الغافلين والغافلات،"فقال"
قائلهم أول الأمر: مادام الرجل التركي لايقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية، وهي سافرة الوجه فلست أَعُد في تركيا دستورًا ولاحرية.
ثم بعد هنيئة قال الآخر: ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت، ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تعقد (مقاولة) مع
رجل تعيش وإياه كما تريد، مسلمًا أو غير مسلم، فإنه لا تعد تركيا قد بلغت رقيا.
ويعقب شكيب أرسلان بقوله: فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور، ولاهي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما
تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصلة بعضها ببعض" [6] ."
"لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء، فما زالوا به يثقبون في جوانبه كُلَّ يومٍ ثقبًا، والعفة تتسلل منه قطرة قطرة حتى تَقَبَّضَ وتَكَرَّش،"
ثم لم يكفهم ذلك منه حتى جاءوا يريدون أن يحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة" [7] ."
إن من أمعن النظر في حال المسلمين اليوم، وحالهم قبل عقود رأى كيف يسير ركب التغريب، وعلم أين يحُطُّ من يَمَمَ سَمْتَهُم، واقتفى أَثَرَهُم.
وكما ترى فإن الطريق دون ما يريده قَذِعُ المنطق [8] بعيد، له مراحل شتى، ربما حل أول تلك المراحل طيبون، استبعدوا أن يحط بهم من يعزم
قطعه، ولكن سرعان ما جاورهم آخرون، فتتابع الناس في طريق الفتنة.
ولهذا كان التحذير من تلك السبيل أحد المهمات، ولاسيما بعد أن بدأ الاختلاط يشيع في المجتمعات المحافظة، فضلًا عن غيرها، ولعله من المناسب أن
يكون ذلك ببيان حكم الشرع في تخطي باب الحجاب بتلك الخطوات التي تخطوها المرأة، فتخرج بها عن حرز عفتها مختلطة بالرجال، مع تنبيه أخت
الإسلام إلى حيث ساقت غيرَها تلك الخطواتُ.
وهذا البحث محاولة لتقرير الحكم الشرعي لاختلاط الرجال بالنساء، مع بيان شيء من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة، التي لحقت من انساق وراء
تلك الفتنة.
وقد جعلته قسمين؛ الأول: دراسة فقهية تبين مراعاة الشريعة، لأصل الفصل بين الرجال والنساء، وفيها تسليط الضوء على بعض التشريعات التي
ربما اشتبهت على البعض، وبيان مراعاة صاحب الشريعة فيها المنع من الاختلاط، ثم تأكيد ذلك بذكر طرف من الأدلة على حرمة اختلاط الرجال
بالنساء، مع بيان وجه دلالتها، ثم عقبت بذكر بعض كلام أهل العلم في المنع من الاختلاط، وأخيرًا تناول البحث بعض الشبه التي ربما أثيرت حول
الموضوع.
والقسم الثاني: دراسة ثقافية في أضرار الاختلاط ومفاسده، جمعت فيها شيئًا من أقوال الغربيين، وإحصائياتهم الرسمية من مصادرهم المعتمدة، مع
ذكر حقائق وأرقام من أرض الواقع، تبين لذوي العقول السليمة، والفطر المستقيمة، الحكم العظيمة في منع اختلاط الرجال بالنساء في الشريعة.