وبصرف النظر عن تلك الأفعال وحكمها الشرعي، الذي يخالف فيه من يخالف، إلا أن الشاهد من ذكر كلام أهل العلم هو اعتبارهم لقصد إرهاب أعداء الله، وهذا ما لم يخالفهم فيه مخالف، وإنما خولف باعتبار طريق الإرهاب هذا شرعيًا أم لا، فالخلاف في الوسيلة لا الغاية [ونظير هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم بعد أن سرد جملة من أقوال الفقهاء في مسائل يرون فيها مخالفة الكفار وأهل البدع؛ إذ قال رحمه الله:"وليس الغرض هنا تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام". اقتضاء الصراط المستقيم: 2/401.] .
ومما سبق يمكن القول بأن إرهاب أعداء الله هو: كل فعل شرعي يبعث خوفًا يردع أعداء الله عن السبق بالاعتداء أو التمادي فيه.
ويتبين كذلك أن إرهاب من ظهرت عداوتهم ومن كان دونهم من أهل الكفر مطلب شرعي يجب أن نسعى لتحقيقه، غير أن إرهاب كل عدو بحسبه، فالمهادن والذمي والمستأمن والمعاهد إرهابهم بإعداد العدد وما يحصل به النكال لهم إن نقضوا عهدهم أو انتهت مدتهم. وأما المحارب فإرهابه بإعمال تلك العُدد وكل ما تحصل النكاية به إلا ما منعه الشارع، من نحو قصد غير المقاتلة وغير أولي التدبير استقلالًا، أو التمثيل بقتلى الكافرين ابتداءً. ومن العجائب في هذا الباب ما ذكره ابن المقري، قال:"قيل وكان من إرهاب طارق لنصارى الأندلس وحيله أن تقدم إلى أصحابه في تفصيل لحوم القتلى بحضور أسراهم وطبخها في القدور يرونهم أنهم يأكلونها، فجعل من انطلق من الأسرى يحدث من وراءهم بذلك فتمتلئ منه قلوبهم رعبًا" [نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: 92] . وأما المنافق فإرهابه بما يحصل للحربيين وغيرهم من مظهري المخالفة للشريعة فيعتبر بما يقع لهم.
العلاقة بين رهبة المؤمنين لربهم وإرهابهم لعدوهم:
إن من حقق رهبة الله عز وجل، لن يرهب أعداء الله مهما جمعوا (( الذين قال لهم النّاس إن النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) [سورة آل عمران: 173] ، بل فوق ذلك جُعلت له الرهبة في صدور أعدائه ونصر بالرعب، وكانت رهبته لله عز وجل إرهابًا، وقد بدا جليًا فَرَق أعداء الله عند ظهور شعائر الدين وقيام شرائعه، وبلغ بهم الحال أن يسموا المتمسكين بدينهم من شباب الإسلام -وإن لم يقاتلوا- إرهابيين.
وبالمقابل من خلا صدره من رهبة الله وخشيته، ألقيت الرهبة في صدره من عباد الله المؤمنين (( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ) )والتعليل: (( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) )، ومن عدم فقههم عدم رهبتهم لله الواحد القهار الذي يقول: (( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينِّزل به سلطانًا ) ) [سورة آل عمران: 151] ، فمن لم يكن إفراد الله بالرهبة دِينه، كان عرضة لأن يرهب من دُونَه. ويشهد لهذا قول الخليل -عليه السلام- (( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينِّزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ) [سورة الأنعام: 81-82] .
الأمر الثالث الذي جاءت مادة رهب متعلقة به وهو حمل الناس على أمر نهى عنه الشرع ففي نحو قول الله عز وجل: (( فلمّا ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ) ) [سورة الأعراف: 116] ، قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:"أي أخافوهم، وقال الزجاج: استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس" [زاد المسير: 3/240] ، وقال أبو البقاء العكبري:"واسترهبوهم أي طلبوا إرهابهم، وقيل هو بمعنى أرهبوهم مثل قرَّ واستقر" [التبيان في إعراب القرآن: 1/282] ، وفي معاني القرآن:"استدعوْا منهم الرهبة" [معاني القرآن للنحاس: 3/63] ، ونحوه قول الشوكاني:"أدخلوا الرهبة في قلوبهم" [فتح القدير: 2/232] ؛ فاسترهبوهم بمعنى أرهبوهم [انظر تفسير البغوي: 2/187، والثعالبي: 2/43] ، فهذا إرهاب باطل، ومثله كل فعل يستدعي رهبةً في قلوب الناس بغير حق، ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله- في منع أهل الذمة من ركوب الخيل:"فلا يجوز أن يمكّنوا من ركوبها إذ فيه إرهاب المسلمين" [أحكام أهل الذمّة: 3/1303] . ولا يخالف هذا ما قُرِّر من أن المؤمنين يجب أن يفردوا ربهم بالرهبة، كما قال سحرة فرعون: (( فاقضِ ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) )، والمؤمن الحق لا يخشى أحدًا إلا الله فتراه يمعن في الهرب مما يسخط الله عز وجل، بخلاف غيره، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يمنعنّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكِّر بعظيم) [حديث أبي سعيد رواه الإمام أحمد في المسند: 11082، بسند حسن، وفيه عنعنة الحسن عن أبي سعيد، إلاّ أنه قد توبع على ذلك] ، ومثل هذا الإرهاب محرّم من جهة فعله ومن جهة الاستجابة له، ولهذا كان من استجاب لإرهاب السحرة مذمومًا لانصرافه عن الحق، وهو ما عبّر عنه القرآن بقوله: (( فاستخف قومه فأطاعوه ) )، أما نبي الله موسى عليه السلام فلم يحمله الخوف إلى رهبة بل ألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون.
الأمر الرابع الذي جاءت مادة رهب متعلقة به:هو القيام بأفعال معينة إمعانًا في الهرب ممن لا يوصف بأحكام المكلفين، فهاهنا دفعت الرهبة المؤمن إلى إمعان الهرب بفعل أو ترك لا يخالف الشرع. وهي في حقيقتها رهبة لله ومراقبة لأمره ونهيه وليست استجابة لمراد من قصد الإرهاب، فلا يوقع الفعل إرهابًا حقيقيًا في نفس المقصود به يحقق مراد الفاعل، كما جاء عند البيهقي وغيره من عرض النار على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (فجعلت أتأخر رهبة أن تغشاكم) [السنن الكبرى للبيهقي: 3/324. ورواه أحمد في المسند: 14600، وأصله عند مسلم: 904 في كتاب الكسوف، والحديث صحيح ورجاله ثقات، وفيه عنعنة محمد بن مسلم بن تدرس (أبو الزبير) عن جابر وقد رواه عنه غيره] ، ومثله أيضًا ما جُبلت عليه نفوس البشر من رهبتها للسباع وما يؤذي من الدواب والهوام.
وقد تطلق الرهبة على الخوف الذي يقع في النفس، ولكن الاستجابة (الإمعان في الهرب) قد تتخلّف، وتكون الرهبة هنا بمعنى الخوف، ونحوه ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري لمّا كان عند القَعْدة في الصلاة قال رجل من القوم:"أُقرت الصلاة بالبرِّ والزكاة"، فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلّم انصرف فقال:"أيُّكم القائل كلمة كذا وكذا؟"، قال: فأرمّ القوم، ثم قال:"أيُّكم القائل كلمة كذا وكذا؟"، قال: فأرمّ القوم، فقال:"لعلك يا حِطّانُ قلتها"، قال:"ما قلتُها، ولقد رَهِبتُ أن تبكعني بها" [رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، ورواه غيره] ، وكما في حديث رضاعِ الكبير [الحديث أصله عند مسلم: 1453، وقد جاء بهذه اللفظة المذكورة عند أحمد: 25121 بسندٍ صحيح رجاله ثقات] عند أحمد:"قال: فمكثت سنةً أو قريبًا منها لا أُحدِّث به رهبةً..".
ومما سبق نخلص إلى ما يلي:
-واجب علينا ملء الصدور رهبة من الله عز وجل.
-واجب علينا إرهاب أعداء الله ومن كان دونهم من الكافرين.
-إن إرهاب أعداء الله هو كل فعل شرعي يبعث خوفًا يردع أعداء الله عن السبق بالاعتداء أو التمادي فيه [زعم بعضهم أن لا إرهاب في الإسلام، وهذه مجازفة يردها ما سبق بيانه] .