ويتبين من الخبر والطلب أن رهبة المؤمنين لله رب العالمين عبادة يجب أن تقوم في نفوسهم، بل يجب أن يفردوا الله بها، فإن قوله تعالى: (( وإياي فارهبون ) )"هو من قولك زيدٌ رهبته، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد" [الكشاف للزمخشري - رحمه الله: 1/276] .
تنبيه: ذكر بعض الفقهاء المصدر المتعدي (إرهاب) عند ذكر التغليظ في القسم، كالتحليف على المصحف أو الأمر بالقيام عند القسم واستقبال القبلة، قال في الشرح الكبير (لا باستقبال القبلة إلاّ أن يكون فيه إرهاب ..) [انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/228] ، ولا يخرج هذا عن ذكر المادة في معرض عبادة المؤمنين لله رب العالمين، إذ المعنى إلاّ أن يكون فيه استدعاء للرهبة من الله عند الحالف.
وأما الثاني: وهو ذكر مادة رهب متعلقة بمعاملة المؤمنين لأعداء الله من الكفار والمنافقين: فالخبر فيه من نحو قول الله تعالى: (( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) ) [سورة الحشر: 13] ،"رهبة: مصدر رهب المبني للمفعول، كأنه قيل أشد مرهوبية" [الكشاف: 4/85] ،"أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله" [تفسير القرآن العظيم: 4/340] ،"وهذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة، ويقرّر في الوقت ذاته الحقيقة المجردة، ويمضي يقرّر حالة قائمة في نفوس المنافقين الذين كفروا من أهل الكتاب تنشأ من حقيقتهم السابقة، ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم لله، (( لا يقاتلونكم جميعًا إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) )، وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في تشخيص حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان بشكل واضح للعيان، ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة، فما كانوا يقاتلونهم إلاّ في مستعمرات محصنة في أرض فلسطين، فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولّوا الأدبار كالجرذان حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم ابتداءً، وسبحان العليم الخبير!" [تفسير الظلال: 6/3529] .
وهنا نلحظ كذلك علاقة المعنى اللغوي بمفهوم الإرهاب الشرعي، فقيام الخوف بنفوسهم قادهم إلى هروب من مباشرة القتال إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر، وهو شبيه بما جاء في كلمة الأعشى السابقة [وبلدة يرهب الجوّاب دلجتها...حتى تراه عليها يبتغي الشيعا - فهو أمعن في الهروب من الانفراد في المسير، فابتغى الشفيع والشيع] .
وأما الطلب: ففي نحو قول الله عزوجل: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [سورة الأنفال: 60] ،"أي وأعدوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم كل ما تقدرون عليه من القوة، العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم ... ومن ذلك الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال الله تعالى: (( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) )، وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته، فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابًا منها... كانت مأمورًا بالاستعداد بها والسعي في تحصيلها، حتى أنها إذا لم توجد إلاّ بتعلم الصناعة وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وقوله: (( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) )ممن تعلمون أنهم أعداؤكم" [تيسير الكريم الرحمن: 324-325 باختصار] ، (( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ) )قيل: بنو قريظة، وقيل: فارس، وقيل: الشياطين التي في الدُّور. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:"وقال مقاتل بن حيان، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: (( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) ) [سورة التوبة: 101] "، وبهذا تعمُّ الآية كل مُبْدٍ للعداوة ومخفيها؛ فـ"لابد للإسلام من قوةٍ ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان... وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة أن تؤمِّن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها ... والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة. والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء ألا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها.. والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ومن ثمّ فالحاكمية له وحده سبحانه" [في ظلال القرآن: 3/1543] .
"وقد عقد الإمام العزّ بن عبد السلام فصلين: الأول: في تخويف أهل الحرب وإرهابهم، والثاني: في الاستعداد لقتالهم بما يرهبهم" [موسوعة نضرة النعيم: 3829، بتصرف يسير] .
قال ابن حزم:"قال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) )، ففرضَ علينا إرهابهم" [المحلّى: 5/419] . ودعا إلى إرهاب أعداء الله نبينا صلى الله عليه وسلم، قال بعض أهل السير عند ذكر غزوة حمراء الأسد، أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى طلب العدو إرهابًا لهم [الفصول في سيرة الرسول: 151، وانظر كذلك السيرة النبوية لابن كثير: 3/97] .
وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:"قال محمد بن الحسن: لو حمل رجلٌ واحد على ألفٍ رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأسٌ، إذا كان يطمع في نجاةٍ أو نكاية عدوٍّ.."، إلى أن قال:"وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعُد جوازه، وإذا كان فيه نفعٌ للمسلمين وتلِفَتْ نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين.." [تفسير القرطبي: 2/364، فانظر كيف جعل العمليات الاستشهادية إرهابًا لأعداء الله، وكيف جعله مقامًا شريفًا مدح الله به المؤمنين] .
ومما يدلُّ على أن إرهاب أعداء الله مقام شريف ومقصد شرعيّ تسويغ كثير من أهل العلم أفعالًا منهيًا عنها في أصلها؛ لعلة تحقيق إرهاب أعداء الله، ومنها:
-رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم. سوّغه بعض أهل العلم في حال الحرب بعلة إرهاب العدوٍّ، ومثّلوا له بفعل العباس صلى الله عليه وسلم يوم حنين [انظر تفسير القرطبي: 16/307] .
-الخيلاء في الحرب، ولبس الحرير، واستعمال الذهب في السلاح، كالمسمار في السيف، رخّص فيه بعض الفقهاء وقالوا:"لأن المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه، فجاز أن يُحلّى بما يفيد إرهاب العدوِّ، وخيلاء المسلم تكميلًا لهذا المقصود، ولذا جاز لبس الحرير حين القتال.." [شرح العمدة: 4/312] .
-صبغ الشعر بالسواد لأجل إرهاب العدوِّ، قال في الزبد:"وحرّموا خضاب شعر بسواد لرجل وامرأة لا للجهاد"، وأفاد الشراح أن العلة إرهاب العدو [شرح زبد ابن رسلان:1/40، وانظر كذلك إعانة الطالبين: 2/339] .
-ما ذكره بعض الفقهاء من منع أكل لحوم الخيل، قالوا لأنه آلة إرهاب العدوّ [الهداية شرح البداية: 4/68، وانظر حاشية ابن عابدين: 6/305] .
-استحباب خروج النساء لصلاة العيدين، علّله بعض الفقهاء بما فيه من تكثير سواد المسلمين، فيكون فيه إرهاب العدو [سبل السلام: 2/66] .