-واجب علينا ألا نَرهَب إلا الله، فلا يحدث فينا صنيع الكافرين ولا تخويف الشياطين لأوليائهم إرهابًا.
-كل فعل غير شرعي يقصد به تخويف يحمل على إمعان في الهرب، ليحقق مراد فاعله هو إرهاب مذموم باعتبار الفعل وفاعله، على المسلم ألا يستجيب له برهبة.
-إذا كان الفعل إرهابًا فلا يلزم أن تكون استجابة المقصود بالإرهاب رهبة، بل قد تكون فعلًا يراعى فيه الشرع ولا يحقق مراد الفاعل فلا يُذم.
-إن الإرهاب المتعلق بما لا يوصف بأحكام المكلفين أو بمن لا تشغل ذمته لا يوصف بحكم، والرهبة الناتجة عنه قد تكون جِبِلّيّة جائزة أو مشروعة.
-إن ما يقود إلى ترويع المسلمين، أو ردع غير الحربيين بما يُردع به الحربيون، أو معاملة الحربيين بما لا تجيزه الشريعة، ليس إرهابًا شرعيًا بل الشرع يُحرّمه، وإن كان فيه معنى الإرهاب اللغوي، ولكنه شرعًا لا يُسمّى إرهابًا، بل يسمّى ظلمًا أو جرمًا أو بغيًا أو تعذيبًا أو عدوانًا أو تخويفًا ونحو ذلك. لأنه إنما ذُمّ للزيادة عن الإرهاب المشروع بالتمادي في التعدي بما لم يأذن به الشرع. ومما يدلّ عليه ما جاءت به نصوص الشريعة من نهي عنه ووصف له مثل:
-حديث السائب بن خلاد رضي الله عنه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (من أخاف أهل المدينة ظلمًا أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقْبَل منه عدلٌ ولا صرف) [رواه الإمام أحمد: 16130 من حديث السائب بن خلاّد وإسناده صحيح. وروى نحوه ابن حبان عن جابر في صحيحه، وصحّحه السيوطي في الجامع، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح] . فسمّاه ظلمًا وإخافة.
-حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أُخِفتُ في الله وما يُخاف أحد،..) [حديث صحيح رواه ابن ماجه في مقدمة السنن، باب فضل سلمان وأبي ذر والمقداد، بسندٍ رجاله ثقات وروى نحوه الترمذي أيضًا: 2472 في كتاب صفة القيامة والرقائق، وقال: حسن صحيح] .
أما النهي عن التعدّي على غير الحربيين بظلم أو عدوان، فقد جاءت فيه آثارٌ كثيرة، من نحو تحريم خفر ذمة الله أو قتل المعاهدين والمستأمنين، غير أنها لم تُسَمِّ ذلك إرهابًا، ومن ذلك حديث هشام بن حكيم بن حزام، قال: مرّ بالشام على أناس، وقد أقيموا في الشمس، وصُبَّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ فقيل: يُعذَّبون في الخراج. فقال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" [ مسلم كتاب البر والصلة، باب الوعيد الشديد لمن عذب النّاس بغير حق، انظر شرح النووي: 16/167. ورواه غيره] فسماه تعذيبًا.
والواجب على المسلمين أن لا يتلقوا عن الكافرين مصطلحاتهم وما بنوا عليها من أحكام، بل الواجب أن ينظروا في مصطلح القوم وما عنَوْا به؛ ليقرِّروا المصطلح الشرعي المناسب للفعل، ومن ثَمَّ يُذمُّ أو يُمدح ذلك الفعل وفقًا للمصطلحات الشرعية.
فالإرهاب عند الكفار مذمومٌ، وفي نصوص الشرع محمودٌ بل واجبٌ مفروضٌ كما نصَّ عليه ابن حزم، ولا يسمى البغي والظلم والتعذيب في الاصطلاح الشرعي إرهابًا، وإن كان إرهابًا في اصطلاح الكفار.
فالواجب على المسلمين ـ ولاسيما أهل الإعلام ـ أن ينظروا في الفعل فإن كان إرهابًا شرعيًا مدحوه وأثنوا عليه، وإن كان بغيًا أو ظلمًا أو عدوانًا أو تعذيبًا بغير حق سموه باسمه الشرعي وذموه.
الإرهاب اصطلاحًا: [المراد بالمعنى الشرعي للكلمة هو ما يراد بها في نصوص الشرع. أما المعنى الاصطلاحي فيُقصد به لفظٌ اصطلح عليه أهل فنٍّ أو جماعة للدلالة على مرادهم]
إن معنى الإرهاب في نصوص الشريعة واضحٌ كما سبق بيانه، غير أن المصطلح الدولي للإرهاب ليس له تعريف واضح ومقبول لدى جميع الدول.
واللفظ الغربي لكلمة إرهاب هو Terrorism مأخوذ من Terrorize بمعنى يُرهب أو يُروّع أو يُكرِه على أمر بالإرهاب [المورد لمنير البعلبكي: 960] . وقد شاع استخدام هذه الكلمة في الدول الغربية إبان الثورة الفرنسية 1789م، واستحدثت الكلمة الفرنسية Le terrorisme [مجلة البيان عدد 116 صفحة 32 - بتصرف -] ، وقد قامت الثورة الفرنسية على النظام الملكي الذي دأب على ترويع الناس وقمعهم من أجل استعبادهم [Il etait une fois la France vingt siecles ?histoire: 164] .
وقد حاول بعض الباحثين الغربيين أن يضعوا تعريفًا اصطلاحيًا لهذه الكلمة، ولعلّ من أدقها تعريف (جورج لي فاسر) بأنه:"الاستعمال العمدي والمنتظم لوسائل من طبيعتها إثارة الرعب بقصد تحقيق أهداف معينة" [مجلة البيان العدد 116 الصفحة 33] ، وهذا التعريف مع دقته يوضح السبب الذي جعل من الإرهاب مصطلحًا فضفاضًا وغير بيِّن المعالم في عين من ينظر إليه بعين نفسه لا بعين غيره، ويكمن ذلك في إشارة التعريف إلى أن الإرهاب يكون بقصد تحقيق أهداف معينة، هي أهداف سيئة، وإلاّ لو كانت نبيلة فلا يسمى ذلك إرهابًا. ولذلك كان ما يقوم به الأفغان من إيواء المجاهدين إرهابًا لما تضمنه العمل من تحقيق أهداف معينة سيئة في نظرهم! ومثل ذلك قل في الكشميريين والشيشانيين والفلسطينيين وغيرهم ممن يثيرون الرعب العمدي والمنظم لتحقيق أهداف سيئة.
أما الأحداث التالية فليست إرهابًا وفق عقائد وأيدولوجيات من ارتكبها:
-مذبحة الهنود الحمر في أمريكا التي قال عنها المؤرخ الأمريكي (ديفيد ستارند) :"إنها أكبر مذبحة جماعية في تاريخ العالم".
-تدمير مدينتي هيروشيما ونجازاكي الذي أسفر عن أكثر من ربع مليون قتيل من المدنيين.
-تدمير مدينة (فينية) الفيتنامية وتسويتها بالأرض وقتل مئات الألوف من سكانها.
-قصف ملجأ العامرية في بغداد وهدمه على من فيه من المدنيين، وتدمير مصنع الشفاء للأدوية في السودان.
-إسقاط الطائرتين المدنيتين الإيرانية والليبية، وقتل مئات الركاب ممن كانوا على متنيهما.
-التسبب في مقتل أكثر من مليون ونصف طفل عراقي بسبب الحصار لأكثر من عشر سنوات بحجة إسقاط النظام.
-مذبحة دير ياسين سنة 1948م والتي قتل فيها أكثر من 250 شخصًا ذبحًا من الأبرياء العزل، والتي تمت بقيادة مناحيم بيغن [الحائز على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع (السادات) !] . وقد تمَّ على إثر ذلك تشريد مئات الألوف من الفلسطينيين وبناء مستوطنة يهودية مكان المدينة.
-مذابح (صبرا وشاتيلا) التي قُتل فيها أكثر من 3000 من الفلسطينيين أكثرهم من النساء والشيوخ والأطفال [والتي تمت بأوامر رئيس الوزراء اليهودي شارون وتحت إشرافه] .
-وما زالت مذابح اليهود مستمرة وقد قتل أكثر من ألف مسلم منذ بدء انتفاضة الأقصى حتى الآن، أما الجرحى والمعوّقون فيقدّر عددهم بأكثر من ثلاثين ألفًا.
وأخيرًا ما نشهده الآن من عدوان على بلاد الأفغان بدعوى الردّ على تلك الغارات [التي شُنت على أمريكا في 11/سبتمبر/2001م] فبرغم ما يصحبه من قتل أبرياء ـ يقرون به ـ وتهديم مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، وتدمير مستشفيات على من فيها من المرضى وممرضيهم والأطباء، وبالرغم من أن وسائلهم تثير الرعب إلاّ أنها بقصد تحقيق أهداف نبيلة! تتحقق المصالح الدنيوية أو الدينية! فلا يعدون ذلك إرهابًا! بل حربًا على الإرهاب! [ولا عجب من دعواهم هذه، ولكن أن يوافقهم المسلمون فيها ويصدروا لها الفتاوى تلك لعمر الله قاصمة الظهر! وقد كنا نحسب أن في الزوايا خبايا وأن في الرجال بقايا، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.]
وخلاصة القول: