وقد حصلت الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربيةـ إدراكًا منها لأهمية هذا الكتاب لكل باحث عربي ـ حصلت عام 1948م على موافقة بروكلمان وإذنه بترجمة الكتاب إلى العربية. وقد بعث بروكلمان إلى الإدارة المذكورة بجزء كتبه بخطه وباللغة العربية يحتوي على تصحيحات وزيادات لغرض إلحاقها بالترجمة. وقد قام الدكتور عبد الحليم النجار رحمه الله بترجمة بعض أجزاء من هذا الكتاب إلى العربية بتكليف من الجامعة العربية، وصدر الجزء الأول منها عام 1959م. ووصل ما صدر من أجزاء حتى الآن ستة أجزاء . وكانت الترجمة قد توقفت بعد وفاة الدكتور النجار وصدور الأجزاء الثلاثة الأولى وقد تم تقسيم الكتاب كله إلى ثمانية عشر جزءًا وقامت المنظمة العربية للترجمة والثقافة والعلوم بتوزيع باقي الأجزاء على مجموعة من الباحثين لترجمتها حتى يتسنى نشر الكتاب كله دفعة واحدة. وقد طلب مني القيام بترجمة الجزء السابع عشر. وكانت المنظمة العربية تستحث الباحثين بين الحين والحين برسائل رسمية لإنجاز هذا العمل. ولكن رياح التيارات السياسية التي اجتاحت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة عصفت بهذا العمل الثقافي البحت ولم نعد نسمع شيئًا لا من المنظمة العربية صاحبة التكليف بالترجمة ولا من أي جهة أخرى .
ويكفي هنا لتعريف القارئ بقيمة هذا الكتاب أن نورد السطور التالية من مقدمة الدكتور عبد الحليم النجار للكتاب.. والتي وردت في الجزء الأول من الترجمة العربية. يقول رحمة الله في بداية المقدمة:
( كان تعريب كتاب تاريخ الأدب العربي( لكارل بروكلمان ) أملًا يراود كل قارئ بالعربية حينما يبحث في علوم العرب وآدابهم، أو يحاول سبر جهود العلم العربي ومتابعة خطواته في تأسيس ثقافة العالم الجديد وتنمية حضارته، أو يريد حصر ما تشتت وإحصاء ما تفرق من تراث الفكر العربي في مكتبات العالم وخزائن الكتب، ليتخذ من ذلك آيات بينات للفخر والاعتزاز، أو عدة ومددًا للبعث والإحياء، أو يتطلع أخيرًا إلى ما ترجم إلى لغات العالم من ذلك التراث الخالد، وما أثير حوله من بحوث، وصنف من دراسات قدمت خطى العلم والأدب ودفعتهما إلى الأمام في الشرق والغرب .
وقد كان بروكلمان يدرك أن عمله في حاجة مستمرة إلى الإكمال ـ بناء على ما يكتشف من مخطوطات ولذلك كان دائب العناية بإكماله على مدى نصف قرن . ويقوم الآن الباحث التركي المسلم فؤاد سيزكين ـ تلميذ المستشرق الألماني هيلمت ريترـ بعد اكتشاف آلاف المخطوطات بإكمال عمل بروكلمان وذلك في كتابه ( تاريخ التراث العربي) بالألمانية الذي ترجم بعضه إلى العربية، ومنح عليه جائزة الملك فيصل منذ بضع سنوات.
(ب ) دائرة المعارف الإسلامية..
على الرغم مما لنا نحن المسلمين على هذه الدائرة من مآخذ كثيرة فإنها تعد ثمرة من ثمار التعاون العلمي الدولي بين المستشرقين. وقد تم إصدارها في طبعتها الأولى بالإنجليزية والفرنسية والألمانية في الفترة من 1913م إلى عام 1938م . وقد تولت نقلها إلى العربية لجنة دائرة المعارف الإسلامية من خريجي الجامعة المصرية منذ عام 1933م لم تصل في الترجمة إلًا إلى حرف العين.. وقد عمد المترجمون إلى نشر تعليمات هامة في أعقاب الكثير من المقالات لتصحيح الخطاء التي وقع فيها المستشرقون، وقام بكتابة هذه التعليمات مجموعة من العلماء المعروفين .
وقد تجاوز المستشرقون فيما بعد هذه الدائرة المتداولة، وقاموا بإصدار دائرة معارف إسلامية جديدة أعيدت فيها كتابة المقالات بناء على ما صدر من بحوث حديثة وما نشر أو اكتشف من مخطوطات . وقد ظهرت الطبعة الجديدة باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط من عام 1954م حتى عام 1977م.
وقد أشار نجيب العقيقي إلى أن اللجنة العربية لترجمة دائرة المعارف ترجع الآن إلى الطبعة الجديدة ابتداءً من حرف العين بدلًا من الرجوع إلى الطبعة القديمة التي تقادمت بعض معلوماتها (70)
(ج) المعاجم..
للمستشرقين باع طويل في مجال المعاجم والقواميس اللغوية. وقد سبق أن أشرنا إلى إنجاز أول قاموس لاتيني عربي في القرن الثاني عشر الميلادي. ونذكر في هذا الصدد أيضًا المعجم العربي اللاتيني الذي ألفه جورج فيلهلم فرايتاج [ ت 1861م] ذلك المعجم الذي لا يزال يستعمل حتى اليوم
(71) .بالإضافة إلى العديد من القواميس الصغيرة والكبيرة التي تجمع بين العربية وغيرها من لغات أوروبية مختلفة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات أوروبية أخرى .
وهناك مستشرقون ينفقون سني عمرهم في إعداد مثل هذه المعاجم. وحسبنا أن نشير هنا إلى معجم اللغة العربية القديمة المرتب حسب المصادر، فقد قضى أوجست فيشر [ ت 1949م] أربعين عامًا في جمعه وتنسيقه، وتعاون معه عدد من المستشرقين .
ونخص بالذكر هنا أيضًا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف الذي يشمل كتب الحديث الستة المشهورة بالإضافة إلى مسند الدرامي وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد بن حنبل. وقد تم نشره في سبعة مجلات ضخمة في الفترة من عام 1936م حتى عام 1936م . وتفيد من هذا المعجم الجامعات والمعاهد الإسلامية كافة في العالم .
أهداف المستشرقين ..
بعد أن تعرفنا على طرف من أعمال المستشرقين يستبد العجب ببعضنا وتعتريه الدهشة لموضوع الاستشراق ويتساءل: ما الذي يدعو الباحث الغربي إلى بذل كل هذا الجهد والعمر والمال في دراسة عالم غريب عنه .. يدرس لغاته التي تختلف تمامًا عن لغته، ويحاول جاهدًا فهم آدابها وعقائد أهلها وتاريخهم ؟
ما الذي يحمله على ذلك وقد كان في وسعه أن يوجه كل تلك الجهود لدراسة مجالات أوروبية أخرى يمكن أن تظهر فيها مواهبه وإمكاناته الفكرية من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون أكثر فائدة له من الناحية العلمية ؟ وكما يقول نجيب العقيقي:
(فلو أن أحدهم انصرف طوال حياته إلى حل الكلمات المتعارضة، أو جمع طوابع البريد النادرة، أو كتابة القصص البوليسي، بدل التحقيق والترجمة والتصنيف، لخرجت به من تلك الجزائر المتعددة التي يعيش فيها المستشرقون إلى العالم الرحب في القرن العشرين، ولعادت عليه برخاء من العيش وشهرة بين الناس وسلامة من النقاد ) (72) .
ويعتقد نجيب العقيقي أن الدافع العلمي كان وراء كل الجهود الاستشراقية. والعقيقي ـ على الرغم من أنه عربي ـ يعتبر نفسه واحدًا من المستشرقين. فقد صنف نفسه في كتابه ( المستشرقون ) تحت عنوان المدرسة المارونية بوصفه واحدًا من أتباع هذه المدرسة التي أسهمت بجهودها في مجال الاستشراق (73) .
ولكن المستشرق الألماني المعاصر ( رودي بارت ) يرى أن الدافع العلمي في الحركة الاستشراقية بدا أظهر ما يكون اعتبارًا من منتصف القرن التاسع عشر. ويعني هذا في رأيه أن معظم الكتابات الاستشراقية قبل ذلك كان ينقصها الطابع العلمي. يقول ( بارت ) :
( إننا في دراستنا لا نسعى إلى نوايا جانبية غير صافية، بل نسعى إلى البحث عن الحقيقة الخالصة ) (74) .
ولكن الأمر بالرغم من ذلك ليس أمرًا عاديًا أو من قبيل المصادفة .. فاتجاه الأوروبيين لدراسة الشرق وإقامة مؤسسة ضخمة لذلك هي مؤسسة الإستشراق لابد أن تكون وراءه أهداف معينة .