فهرس الكتاب

الصفحة 2605 من 3028

ويستطيع كل باحث عن تاريخ الاستشراق أن يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أن الهدف الديني كان وراء نشأة الاستشراق ودعم الدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا، وقد صاحب الاستشراق طوال مراحل تاريخية، ولم يستطع أن يتخلص منه بصفة نهائية. وحتى نهاية القرن التاسع عشر لم يكن الاستشراق قد حرر نفسه من إسار الخلفية الدينية التي اشتق منها أصلًا إلا بدرجة ضئيلة (75) .

والهدف الديني للاستشراق كان يسير منذ البداية في اتجاهات ثلاثة متوازية تعمل معًا جنبًا إلى جنب، وتتمثل هذه الاتجاهات فيما يأتي:

1-محاربة الإسلام والبحث عن نقاط ضعف فيه، وإبرازها والزعم بأنه دين مأخوذ من النصرانية واليهودية، والانتقاص من قيمه والحط من قدر نبيّه .. إلخ .

2-حماية النصارى من خطره بحجب حقائقه عنهم، وإطلاعهم على ما فيه من نقائص مزعومة، وتحذيرهم من خطر الاستسلام لهذا الدين.

3-التبشير وتنصير المسلمين . وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق.

وقدكان قرار ( فيينا) الكنسي في 1312م وقرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة كامبردج بعد ذلك بأكثر من ثلاثة قرون، وتأسيس مجلة العالم الإسلامي The Muslim World عام 1911م عن طريق صمويل زويمر رئيس المبشرين في الشرق الأوسط، والذي تُوفي في أوائل الخمسينيات من القرن الحالي ـ كانت هذه بعض الشواهد الظاهرة في اتجاه خدمة الهدف الديني والعمل من أجله في محيط الاستشراق .

وإذا كان الهدف الديني لم يعد ظاهرًا الآن في الكثير من الكتابات الاستشراقية فليس معنى ذلك أنه قد اختفى تمامًا. إنه لا يزال يعمل من وراء ستار بوعي أو بغير وعي . فمن الصعب على معظم المستشرقين النصارى ـ المشتغلين بدراسة الإسلام ـ وأكثرهم متدينون، أن ينسوا أنهم يدرسون دينًا ينكر عقائد أساسية في النصرانية ويهاجمها ويفندها مثل عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء، كما أنه من الصعب عليهم أيضًا أن ينسوا أن الدين الإسلامي قد قضى على النصرانية في كثير من بلاد الشرق وحل محلها (76) .

ونحن إذ نسجل ذلك فإننا ننبه في الوقت نفسه إلى أن ذلك ليس حكمًا عامًا على جميع المستشرقين . فهناك فريق من المستشرقين قد حاول جاهدًا الالتزام بالحيدة والموضوعية وأنكر على كثير من زملائه نزواتهم التي انحرفت بهم عن النزاهة العلمية، وهناك من أنصف في جانب وتحامل في جانب آخر .

يقول مونتجمري وات ):

( جد الباحثون منذ القرن الثاني عشر في تعديل الصورة المشوهة التي تولدت في أوربا عن الإسلام. وعلى رغم الجهد العلمي الذي بذل في هذا السبيل، فإن آثار هذا الموقف المجافي للحقيقة التي أحدثتها كتابات القرون المتوسطة في أوروبا لا تزال قائمة. فالبحوث والدراسات الموضوعية لم تقدر بعد على اجتنابها ) .

ويقول ( برنار لويس ) :

(لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية) .

ويقول ( نورمان دانييل ) :

( على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكُتَّاب النصارى من الإسلام فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا منها تجردًا تامًا ) (77) .

ولكن الهدف الديني لم يكن هو كل شيء ، فقد كانت هناك أيضًا أهداف أخرى للاستشراق تقترب أو تبتعد من الهدف الديني. ومن هذه الأهداف ما يأت (78) :

1-أهداف علمية:

وقد كانت مقصد بعض من ظهروا في عصر التنوير في أوروبا ، فمنهم من قرأ الكتب الدينية وفحصها وأدرك أن رسالة الإسلام قريبة من الرسالات السماوية ومؤيدة لما جاء في كتبها من إيمان با لله وكتبه ورسله ودعوة إلى الحق والخير والصلاح . ولكن هؤلاء كانوا قلة .

2-أهداف تجارية:

وقد ظهرت تلك الأهداف التجارية في عصر ما قبل الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين . فقد كان الغربيون مهتمين بتوسيع تجارتهم والحصول من بلاد الشرق على المواد الأولية لصناعاتهم التي كانت في طريقها للازدهار. ومن أجل هذا وجدوا أن الحاجة ماسة للسفر إلى البلاد الإسلامية، والتعرف عليها ودراسة جغرافيتها الطبيعية والزراعية والبشرية، حتى يحسنوا التعامل مع تلك البلاد، وتحقيق ما يصبون إليه من وراء ذلك من تحقيق فوائد كثيرة تعود على تجارتهم وصناعتهم بالخير العميم .

ولذلك كانت المؤسسات المالية والشركات وكذلك الملوك في بعض الأحيان يزودون الباحثين بما يحتاجون إليه من مال، كما كانت الحكومات المعنية تمنحهم الرعاية والحماية .

ونظرًا لأهمية الدين وتأثيره الفعال في الأخلاق والمعاملات فقد اتجه هؤلاء الباحثون لدراسته وكتابة التقارير وتأليف الكتب عنه .

ولكن هذه الطائفة كانت أيضًا قلة مثل الطائفة السابقة .

3-أهداف سياسية:

ظهرت تلك الأهداف السياسية واضحة جلية واتسع مداها باتساع رقعة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. واضطرت الدول الاستعمارية أن تعلم موظفيها في المستعمرات لغات تلك البلاد، وأن تدرس لهم آدابها ودينها ليعرفوا كيف يسوسون هذه المستعمرات ويحكمونها. وقد اتجهوا في هذه المرحلة إلى العناية باللهجات العامية والعادات السائدة كما عنوا بالدين والشريعة .

فئات المستشرقين ..

ومن خلال هذا العرض السريع لأهداف المستشرقين المختلفة التي كانت تتداخل مع بعضها في أحيان كثيرة يتضح لنا أن المستشرقين فئات مختلفة تتراوح بين التعصب والإنصاف. فإذا تجاوزنا من لهم ميول تبشيرية خفية أو سافرة نجد أن المستشرقين العلمانيين ينقسمون إلى فئات مختلفة:

(أ ) فريق من طلاب الأساطير والغرائب، من هؤلاء الذين افتروا على الإسلام واخترع خيالهم المريض حوله الأقاصيص الكاذبة. ولم يكن لهذا الفريق في سوق العلم نصيب. وقد ظهر هذا الفريق في بداية نشأة الاستشراق. واختفى بالتدريج .

(ب ) فريق من المرتزقة الذين جندوا دراساتهم وبحوثهم في خدمة المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية والاستعمارية . وقد أشرنا إليهم عند حديثنا عن الاستشراق والاستعمار .

(ج ) وفريق من المتغطرسين الذين أخذتهم العزة بالإثم وأعمتهم الضلالة عن النزاهة العلمية، فراحت أقلامهم تقطر حقدًا وعداوة وطعنًا في الإسلام من أمثال: ( بدويل) و ( بريدو) و ( سيل) من القرن الثامن عشر. وقد كان لكتابات بعضهم مثل ( سيل) أثر كبير في الغرب لمدة طويلة . ويتساوى مع هؤلاء في الحقد والعداوة للإسلام مجموعة من الملحدين الذين ينالون من الإسلام نيلهم من النصرانية .

(د ) فريق تعرض للإسلام باسم البحث العلمي ولكنهم انحرفوا عن جادة الصواب فراحوا يتلمسون نقاط ضعف في الإسلام، ويشككون في صحة الرسالة الإسلامية، وفي التوحيد الإسلامي، وفي القرآن الكريم من حيث مصدره أو نصه، وفي الحديث من حيث صحته، وفي قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، وفي قدرة اللغة العربية على التطور ..ألخ .

(هـ) وهناك فريق من المستشرقين التزم في دراسته للإسلام بالموضوعية والنزاهة العلمية وأنصف الإسلام والمسلمين. وقد أدى الأمر ببعضهم إلى اعتناق الإسلام (79) .

(و ) وهناك فريق من المستشرقين توفر على دراسة اللغة العربية وفقه اللغة والأدب العربي أو اشتغل بالمعاجم وما شابه ذلك، ولهؤلاء بحوث قيمة مفيدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت