وقد كانت هذه السياسة الصهيونية الماكرة في غاية التنظيم، إذْ"مرَّتْ عمليةُ توسيعِ بلدية القدس الشرقية على حسابِ أراضي الضفة الغربية بعدة مراحل منذ احتلالها عام 1967:"
(1) كانت حدود بلدية القدس الشرقية تضم (6.5) كم 2 عند احتلالها عام 1967 وجرى توسيعها بضم أراض من الضفة الغربية حوالي (70) كم 2 وهو ما يشكل (70000) دونم وحوالي (28) قرية مجاورة ، جرى ضمها جميعها لأراضي"إسرائيل"لتضاف إلى (38000) دونم وهي أراضي القدس الغربية في ذلك الوقت ، وأصبحت حدود البلدية الجديدة تضم (108) كم 2 ( القدس الشرقية والغربية ) وتمثل ما نسبته 28% من الضفة الغربية ؛ وذلك لفرض غالبية ديموغرافية يهودية في قِسْمَي المدينة ، وهكذا يتم استثناء وعزل المناطق الفلسطينية الآهلة مثل الرام وأبو ديس والعيزرية ومخيم قلنديا .
وفي 28 حزيران 1967، أصدر الكنيست الإسرائيلي تعديلًا لقانون 1950 الذي أعلن فيه أن القدس عاصمة"إسرائيل"؛، حيث منح التعديلُ الحكومة صلاحياتِ فرضِ قوانينها على القدس الشرقية . هذا ومن أبرزِ الإجراءات الإسرائيلية بعد حرب حزيران 1967، (عملية الإخلاء والطرد بالقوة) لأكثر من (6000) فلسطيني من البلدة القديمة ، خاصة حارة المغاربة وهدم حوالي (135) منزلًا وذلك لتوفير مساحة ممتدة أمام حائط البراق ( المبكى ) ، وفي 4 يوليو 1967 طالب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2253) ب: بإبطال والرجوع عن جميع الإجراءات والسياسات المتبعة والتي تهدف إلى تغيير معالم وحقائق وضع القدس . وتجاهلت دول الاحتلال جميع قرارات الأمم المتحدة، واستمرت في سياسة وخطط التهويد ، فصادرت (18270) دونمًا من الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية خلال السنوات 1967 ـ 1970.
(2) تمثلت الاستراتيجية الإسرائيلية في قضية القدس على المستوى البلدي بدعم حكومي لا محدود، لخطط وسياسة رئيس البلدية السابق تيدي كوليك والتي استمرت حتى اليوم ، والفكرة الأساسية في الرؤية الإسرائيلية هي (عزل القدس الكبرى) عن الضفة الغربية ؛ تمهيدًا لضمها لإسرائيل . لقد اشتملت الاستراتيجية الإسرائيلية في تهويد القدس على استيطان استعماري في البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها وإنشاء أحياء يهودية وشبكة طرق لربط القدس الشرقية بالمناطق اليهودية الآهلة بالسكان ، لقد كانت إدارة تيدي كوليك قلقة جدًا من النمو السكاني الفلسطيني في القدس . وأصبح من المتعارف عليه اعتبار الأراضي المملوكة للفلسطينيين مناطق خضراء أو غير مستعملة لتبرير مصادرتها وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم واحتياجاتهم للتطور والإعمار السكني ولإخراجهم من المدينة ، واعتمادًا على قانون الأراضي واستعمالها للمنفعة العامة الصادر عام 1943 عن الانتداب البريطاني فإن وزير المالية مكلفٌ بإصدارِ أوامر مصادرة للأراضي ذات الملكية الخاصة لأغراض المنفعة العامة؛ وذلك بناء على تعريفِ وزير المالية لذلك ، وهكذا قد جرى بين عامي 1967 و 1996 مصادرة أموال (23500) دونم من الفلسطينيين في القدس الشرقية استنادا لذلك القانون، وفي 30 يوليو 1980 أكدت الحكومة الإسرائيلية لعملية الضم الأمر الواقع لعام 1967 وأعلنت أنَّ القدسَ عاصمةٌ أبديةٌ مُوحَّدةٌ لإسرائيل في القانون الأساسي عن القدس ، وكان هذا اختراقٌ ومخالَفة القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة ، وتمت إدانته بقرار مجلس الأمن رقم 478 في 20 أغسطس 1980، والذي أعلن أنَّ جميع الإجراءات القانونية والإدارية التي اتخذتها"إسرائيل"والتي سعت من خلالها لتغيير طابع وواقع المدينة المقدسة وخاصة القانون الأساسي عن القدس كلها تعتبر غير معترف بها؛ ويجب إلغاؤها وتصحيح الأمور على ضوء ذلك .
(3) مع توسيع أرض بلدية القدس المحتلة لجأت دولة الاحتلال إلى تغليبِ السكان اليهود على أصحاب الأرض المقدسيين العرب، وقامت حكومة الاحتلال بإجراء إحصاءٍ للسكان فورَ احتلالها للقدس عام 1967، وسجل التعداد السكاني أن (66.000) فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية ضمن الحدود البلدية الجديدة ، (44.000) في حدود القدس الشرقية عام 1967 و 22.000 في المناطق التي ضمت لحدود بلدية القدس ) وقد اعتبرت دولة الاحتلال هؤلاء المقدسيين مقيمين دائمين في القدس حسب قانون دخول"إسرائيل"لعام 1952 ونظام دخول"إسرائيل"لعام 1974، أما بالنسبة لأولئك الذين لم يشملهم الإحصاء السكاني بسبب غيابهم إما للدراسة أو العلاج أو الزيارة في الخارج أو غيرها من الأسباب فقد اضطروا للتقدم بطلبات لوزارة الداخلية للعودة والإقامة ضمن نظام"إسرائيل"، يعرف باسم لم شمل العائلات .
لقد شجعت الحكومة الإسرائيلية المواطنين اليهود على الانتقال والإقامة في القدس الشرقية ومنحتهم تسهيلات في شراء الشقق السكنية والإعفاءات من الضرائب البلدية لفترات من الزمن؛. ونتيجة لذلك، فقد تراوح نسبة المستوطنين اليهود في القدس الشرقية 75% - 80% من الزيادة السكانية لليهود في القدس منذ 1967، وقد أعلنت بلدية القدس الغربية في ( يونيو ) 1993 ولأول مرة عن أغلبية إسرائيلية في القدس الشرقية ، بارتفاع تعداد المستوطنين اليهود إلى (160.000) متقدمين على العدد الفلسطيني والذي كان يومها حوالي (155.000) فلسطيني .
وسجل كتاب الإحصاء السنوي الإسرائيلي للقدس عدد السكان العرب في القدس حوالي (208.700) والذي يشكل ما نسبته 31.7% من المجموع الكلي لسكان المدينة ، في حين كانت النسبة عام 1990 - (27.9%) وعام 1999 (31.1%) ، ولكن أرقام الإحصاءات الفلسطينية تبين ارتفاعًا مغايرًا في الأرقام ، ويقدر أن حوالي ثلث الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات هوية مقدسية يقيمون خارج حدود البلدية في مدن الضفة الغربية المجاورة ، ويقدر مركز الإحصاء الفلسطيني المركزي أن حوالي (238.561) فلسطينيًا يعيشون في القدس ، التي ضمت لإسرائيل في عام 2001، في حين أن حوالي (373.713) فلسطينيًا يعيشون في محافظة القدس حسب قيود السلطة الوطنية الفلسطينية .
وتبقي الحقيقة أن النمو السكاني العربي في القدس ارتفع إلى 4% عام 1999. في حين سجل النمو السكاني اليهودي 1.1% وهو أقل حتى عن النمو السكاني اليهودي في"إسرائيل"، وقد شهد عام 1998 مغادرة حوالي 6.300 من السكان اليهود المدينة بسبب ارتفاع نفقات السكن في المدينة ، وقد نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 27 أيلول ( سبتمبر ) 2000 ملخصًا لدراسة أعدها باحثون إسرائيليون في معهد القدس للدراسات الإسرائيلية أن حوالي (56%) من سكان القدس يقيمون في الجزء الذي جري ضمه عام 1967 وأن حوالي (46%) من سكان القدس الشرقية هم من اليهود ويشكلون ما نسبته 38% من المجموع الكلي لسكان القدس .
(4) إخراج قرى عربية من حدود بلدية القدس وبالتالي التخلص من السكان العرب، وتقوم الخطة على الخطوات التالية:
* تعزيز الوجود الإسرائيلي الأمني والاستيطاني خارج حدود بلدية القدس بإقامة ثلاثة أحزمة استيطانية.
* إنشاء لواء عسكري خاص يكون مسئولًا عن إغلاق القدس وفصل مناطق كثيرة بواسطة حواجز عسكرية.
* إغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس، وإبعاد الشخصيات الوطنية أو التحقيق معها وإبلاغها بأنها شخصيات غير مرغوب فيها .
* سحب الهويات الإسرائيلية من المواطنين المقدسيين الساكنين في المناطق التي سيتم تحويلها إلى مناطق فلسطينية ( مثل بيت حنينا ) وتسليمهم هويات فلسطينية مع أبنائهم تحت السيطرة الإسرائيلية (منطقة ج ) .