فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 3028

ولكن الصديق الذى ملأ الله قلبه يقينًا وإيمانًا وثباتًا وعزمًا وقف وقفته الخالدة وصرخ في وجه عمر بن الخطاب tقائلًا:"مه يا عمر رجوت نصرتك وجئتنى بخذلانك أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام ؟ ماذا عسيت أن أتألفهم بسحر مفتعل أم بشعر يفترى؟ هيهات هيهات مضى رسول الله e وانقطع الوحى فوالله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدى فوالله لأقاتلنًّ من فرق بين الصلاة والزكاة فوالله لو منعونى عقال بعير كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه"

وفى وسط هذه الظروف الحرجة أنقذ جيش أسامة بن زيد وقال للمعارضين الذين طلبوا أن يبقى الجيش في المدينة لحمايتها قال لهم الصديق t: والذى نفسى بيده لو ظننت أن السباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله e وما كنت لأحل عقدًا عقده رسول e بيديه وانتهت الفتنة وهلك مدعو النبوة وزاد الإسلام رفعة وعزة وتحطمت على أيدى هؤلاء الأطهار أعظم الإمبراطوريات وحُمِلِ تاج كسرى لفاروق الأمة عمر بن الخطاب في مدينة رسول الله e إنه وعد الله !!

ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد ما استولى الصليبيون على كثير من بلدانهم ودنسوا المسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان حتى حرر الله الأرض وطهر المسجد الأقصى على يد البطل الكبير صلاح الدين في معركة حطين الحاسمة التى خلدها التاريخ إنه وعد الله

ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد ما استولى الصليبيون على كثير من بلدانهم ودنسوا المسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان حتى حرر الله الأرض وطهر المسجد الأقصى على يد البطل الكبير صلاح الدين في معركة حطين الحاسمة التى خلدها التاريخ إنه وعد الله

ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد هجمة المغول والتتار الشرسة على العالم الإسلامى وقد سفكوا الدماء ونهبوا الأموال وفتكوا بالأنفس والأعراض فتكًا ذريعًا مريعًا حتى قال المؤرخ"ابن الأثير الجزرى"فى تصويره للمأساة:"لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها فأنا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى فمن ذا الذى يسهل عليه أن يكتب نعى الإسلام والمسلمين ؟ ومن الذى يهون عليه ذكر ذلك ؟ فياليت أمى لم تلدنى ويا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا !!"حتى قبض الله البطل الكبير"قطز"ليحرر الأرض ويعيد المجد والشرف بعد المعركة الحاسمة"عين جالوت"إنه وعد الله

وهكذا - أيها الأحبة - فقد تمرض أمة الإسلام ويعتريها فترات من الركود ولكنها بفضل الله لا تموت وإن التفاؤل بالنصر هو مقدمة النصر بإذن الله وها هى بعض البشائر القرآنية أيضًا أزفها إليكم لتطمئن القلوب الجريحة ، ولتسكن النفوس القلقة ، ولتعلم أن الإسلام قادم قادم رغم كيد المجرمين

يقول الله عز وجل: )أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع صلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز (( 379)

هذا وعد بالنصر من الله جلَّ وعلا ووعد الله لا يخُلف ولكن قد يتأخَّر النصر لأسباب كثيرة قد تخفى علينا ولكنها لا تخفى على من يعلم السر وأخفى لأن النصر له شروطه وأسبابه وله تكاليفه ولا يعطى النصر لأحد جزافًا أو محاباة كما أنه لا يستمر لأحد لا يحقق شروطه ومقتضاه !!

فقد يبطئ النصر لأن الأمة لم تنضج بعد النضج الذى يؤهلها لحماية هذا النص والمحافظة عليه لإقامة دين الله عز وجل

والنصر السريع الذى لا يكلف عناءً ومشقة ودماءً وأرواحًا نصر سهل هين لين يسهل فقدانه وضياعه

وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تبذل كل استطاعتها من قوة وعرق وأرواح ودماء لدين الله عز وجل وقد يبطئ النصر لأن الأمة ابتعدت عن الله جل وعلا وتعلقت ببعض قوى الأرض ولم تتجرد بعد في بذلها وتضحياتها لله عز وجل وقد يبطئ النصر لأن كثيرًا من أفراد الأمة ما زال متلبسًا بالشرك العملى المزرى !!

وقد يبطئ النصر لأن الأمة تفتتت وتشعبت إلى أجزاء وتفتت الأجزاء هى الأخرى إلى أجزاء !!

وهذا كله لا ينقض القاعدة بل يؤكَّدها ويزيدها وضوحًا وهى أن الله تعالى ينصر من نصر دين الله عز وجل

وقد تحقق وعد الله لهؤلاء الحفاة العراة الجياع المستضعفين والمضطهدين من أصحاب رسول الله e لما نصروا دين الله وقدموا أنفسهم وأرواحهم وأموالهم لله عز وصدقوا الله تعالى فحولهم الله بهذا الدين من رعاة للإبل والغنم إلى قادة وسادة لجميع الدول والأمم وعبر الفاروق عمر tعن هذه الحقيقة أروع تعبير في قوله العذب: لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله

وهاهى هذه البشارة تلوح مقدماتها في الأفق كالفجر متمثلة في هذا الجيل المبارك من الشباب والفتيات هذا الشباب الذى جاء يمشى على الشوك يخطو بين الصخور والحجارة قابضًا على الجمر يريد أن يبذل دمه لدين الله عز وجل ووعد الله قائم مذخور لكل من يسير على ذات الطريق بإذن الله

ويشرق علينا نور البشارة الثانية من سورة النور يقول الله عز وجل: )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدوننى لا يشركون بى شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (( 380)

هذا وعد الله لأهل الإيمان الصادق وأصحاب التوحيد الخالص أن يستخلفهم ويمكن لهم في الأرض ما داموا قد أخلصوا العبادة لله عز وجل وحده ولم يشركوا به شيئًا واستقاموا على هذا التوحيد وقد تحقق بالفعل وعد الله عز وجل في حياة رسوله e وحياة الرعيل الأول من بعده حتى بلغت حدود الدولة الإسلامية أقصى المشرق والمغرب وكُسِر كسرى وأهين قيصر ووعد الله جل وعلا مذخور لكل من يقيم حقيقة الإيمان وصفاء التوحيد فما من مرة سارت الأمة على منهج الله وأخلصت العبودية لله جل وعلا وحكمت هذا الدين وحولته إلى واقع ومنهج حياة وارتضته في كل أمورها وشئون حياتها إلا وتحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن وما من مرة خالفت هذا المنهج وحادت عن هذا الطريق إلا وذلت واستبد بها الخوف وتخطفها الأعداء القاصى قبل الدانى والضعيف قبل القوى والذليل قبل العزيز وهذه سنة الله التى لن تتبدل ولن تتغير )ولن تجد لسنة الله تحويلًا (( 381)

"والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدود يخالف تلك الحقيقة فهذا الواقع هو الباطل الزائل وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التى شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية ثم بقى الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الأنهيار ويحمى شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى يجده في هذا الواقع بدون حاجة إلى الانتظار الطويل: )إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبنَّ أنا ورسلى إن الله قوى عزيز (( 382) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت