فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 3028

)ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون (( 377)

وقال عز وجل:

)حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (( 378)

هذه هى الحقيقة في كل دعوة يخلص فيها الجند ويتجرد الدعاة لله عز وجل إنها غالبة منصورة مهما وضعت في طريقها العراقيل ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار

والمؤمن يتعامل مع وعد الله عز وجل على أنه الحقيقة الواقعة فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة فهذا هو الباطل الزائل الذى يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة

والنصر السريع الهين اللين الذى لا يكلف الدم والروح والعرق سهل أن يفقد وأن يضيع بتلك السهولة أيضًا

وقد يؤخر الله النصر لأن بنية الأمة لم تزل ضعيفة ولم تبذل أقصى ما عندها من استطاعة ولم تصل بعد إلى مستوى الإيمان الذى يكون مقدمة فورية لنصر عاجل: )وكان حقًا علينا نصر المؤمنين(

وقد يؤخر الله النصر لأن الأمة لم تتجرد بعد في إسلامها وجهادها ودعوتها لله عز وجل فالنصر لم يكن يومًا في تاريخ الإسلام بالعدد ولا بالعُدد ولا بالزاد إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التى لا تقف لها قوة العباد بعدما يبذل المؤمنون أقصى ما عندهم من أسباب

فهيا بعد هذه الجولة المتعبة للقلوب المؤلمة للنفوس إلى رحاب هذه البشريات الكريمة القرآنية والنبوية بحتمية نصرة هذا الدين رغم كيد الكائدين فإلى الخاطرة الأخيرة"بشرى وأمل"

الخاطرة الاخيرة

بشرى وأمل

وقد يتألم الكثير من الأحبة ويقول في مرارة وحسرة:

أيةُ بشرى وأى أمل وأندلس أخرى جديدة تضيع على مرأى ومسمع المسلمين في البوسنة والهرسك ؟!

أيةُ بشرى وأى أمل وعرض الإسلام ينتهك في سراييفو ؟!

أية بشرى وأى أمل وبركُ الدماء وأكوام الأشلاء في كل مكان تجسد الفجيعة وتحكى المأساة ؟!

أية بشرى وأى أمل وقد زال ظل الخلافة وتمزقت الأمة إلى أجزاء ثم تفتت الأجزاء هى الأخرى إلى أجزاء ؟!

أية بشرى وأى أمل وقد بتُر من جسد الأمة القدس الحبيب أولى القبلتين؟!

أية بشرى وأى أمل والمذابُح الوحشية البشعة تلاحق المسلمين في كل مكان في الهند في الصومال في أوغندا في الفلبين في كشمير في بورما في تركستان في كمبوتشيا في سيريلانكا في كل مكان ؟!

أية بشرى وأى أمل وطلائع البعث الإسلامى تتعرض لأشد الضربات وأعنف الهجمات ؟!

أية بشرى وأى أمل وقد اتفق أعداء الإسلام على اختلاف مشاربهم وأيدولوجياتهم على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين ؟!

وبالرغم من كل هذا بل وأكثر من هذا أقول رويدًا رويدًا أحبتى في الله

فلئن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا فلله أوس قادمون وخزرج

وإن كنوز الغيب تخفى طلائعًا صابرة رغم المكائد تخرج

نعم فإن أشد ساعات الليل سوادًا هى الساعة التى يليها ضوء الفجر وفجر الإسلام قادم لا محالة كقدوم الليل والنهار وإن أمة الإسلام قد تمرض وتعتريها فترات من الركود الطويل ولكنها بفضل الله جل وعلا لا تموت وإن الذى يفصل في الأمر في النهاية ليس هو قوة الباطل وإنما الذى يفصل في الأمر هو قوة الحق ولا شك مطلقًا أن معنا الحق الذى من أجله خلقت السموات والأرض والجنة والنار ومن أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل

معنا رصيد الفطرة فطرة الكون وفطرة الإنسان وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله ويا لها والله من معية كريمة جليلة مباركة: )والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون(

إنه وعد الله وكلمته )ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون(

إن هذا الوعد المبارك سُنة من سنن الله الكونية الثابتة التى لا تتبدلَّ ولا تتغيرَّ وإن هذا النصر سنة ماضية كما تمضى الكواكب والنجوم في أفلاكها بدقة وانتظام وقد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جدًا ولكن آتٍ بإذن الله في نهاية المطاف مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار

ونحن لا نقول ذلك رجمًا بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا ولكنه القرآن الكريم يتحدث والرسول الصادق الأمين يبشر والتاريخ والواقع يشهد نعم

فمن الذى كان يظن رسول الله e مع قلة مؤمنة في مكة يعذبون ويضطهدون ويحاربون بل ويُطردون من بيوتهم وبلدهم بل ونال البلاء والأذى رسولهم e فاتُّهم بالسحر والجنون ووُضع الترابُ وسلا الجذور على رأسه وهو ساجد واضطر النبى e تحت وطأة هذا الأذى أن يخرج هو الآخر يبحث عن أرض أكثر خصوبة من أرض مكة الصلبة الصلدة ليبذر فيها بذرة التوحيد وخرج بأبى هو وأمى يشق الأودية والجبال على قدميه الداميتين المتعبتين بلا راحلة يركبها ويتجه الحبيب إلى الطائف يفتش عن أمل ويبحث عن معين وينقب عن يد حانية تحمل هذا الدين وتنطلق بهذا النور ووصل الحبيب إلى الطائف بعد مسير طويل تحت حرارة الشمس التى تحرق الحجارة وعلى هذه الرمال التى تلفح الوجوه بلهيبها وصل الحبيب وحاله تتمزق لها القلوب جوع وعطش وألم من السير بالليل والنهار وحزن على دعوة مطاردة وأصحاب وأتباع تتخطفهم أيدى الطغاة وأصيب النبى e بفاجعة شديدة فلقد كان القوم أخس وأنذل مما ينتظر فطردوه من بلادهم وأغروا به العبيد والسفهاء فرموه بالحجارة وألجأوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابنى ربيعة والدماء الشريفة تسيل من قدميه وعاد النبى e من الطائف مطرودًا مجروحًا منكسر القلب حتى حنت عليه السحاب وأشفقت لمنظره الحجارة وأغصان الشجر واستعدت الجبال الرواسى للانتقام له وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين ولكن ينبوع الحنان ونهر الرحمة يرد عليه قائلًا: بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا شرك به شيئًا سبحان الله العظيم والله لو كان الحبيب ممن ينتقم لنفسه ولذاته لأمر ملك الجبال أن ينتقم فطحنت الجبال تلك الجماجم الصلدة ولسالت من جبال الطائف دماء يراها أهل مكة ولكنه ما خرج لنفسه قط بل ما جاء إلا ليملأ الحياة إيمانًا ونورًا ورحمة وسعادة جاء وفى قلبه يقين يقول: إن في هذه الأصلاب ربيع قادم يتنفس الإسلام ولا يعيش إلا به وها هو وعد الله يتحقق بعد هذه السنوات البطيئة الثقيلة وها هو رسول الله e يرجع إلى مكة فاتحًا منتصرًا بإذن الله يحيط عشرة آلاف رجل رباهم على عينه ويدخل الحبيب المسجد وتتهلل الكعبة فرحًا بشروق شمس التوحيد وتتبعثر الأصنام والآلهة المكذوبة في ذل وخزى شديد ويردد الحبيب قول الله عز وجل: )جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا(

من كان يظن في الأيام الأولى للدعوة أن يأتى هذا اليوم بهذه السرعة وهذا النصر المبين إنه وعد الله !!

ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد موت رسول الله e وبروز فتنة الردة بوجهها الكالح وجد عروة بن الزبير حال المسلمين في هذه الأيام تجسيدًا دقيقًا فقال:"وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم وقلة عددهم وكثرة عدوهم"، حتى وجد من المسلمين من يقول للخليفة المبارك الراشد أبى بكر tوأرضاه من يقول له: يا خليفة رسول الله أغلق بابك والزم بيتك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت