"هو الصبر المطمئن الذى لا يصاحب السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد صبر الواثق من العاقبة الراضى بقدر الله ، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول بالله المحتسب كل شئ عنده مما يقع به الصبر جميل: هو الترفع على الألم والاستعلاء على الشكوى والثبات على تكاليف الدعوة والتسليم لله عز وجل والاستسلام لما يريد من الأمور والقبول لحكمه والرضى به الصبر الجميل: هو الذى يكون ابتغاء وجه الله جل وعلا لا تحرجًا من الناس حتى لا يقولوا جزعوا ولا تجملًا للناس حتى يقولوا صبروا الصبر الجميل هو الثبات على طول الطريق دون عجلة أو قنوط ولنقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق ألا وهو أن الرسول e الذى يلاقى ما يلاقى من الأذى والتكذيب والكبر والكنود يقُال له: )فاصبر إنَّ وعد الله حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون(: أدَّ واجبك وفقط فأما النتائج فليست لك حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق وعيد الله للمتكبرين والمكذبين ليس له أن يعلق به قلبه إنه يعمل وكفى يؤدِّى واجبه ويمضى فالأمر ليس أمره والقضية ليست قضيته - بأبى هو وأمى - ولكن الأمر كله لله والله يفعل به ما يريد ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغى أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب التى تبدو بريئة في أول الأمر ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم نعم فإنه من السهل جِّدًا على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته فيهجر الناس إنه عمل مريح قد يفتأ الغضب ويهدئ الأعصاب ولكن أين هذه الدعوة ؟ إن الدعوة هى الأصل لا شخص الداعية فليضق صدره ولكن ليكظم غيظه وليمض في دعوته والله أرعى لدعوته وأحفظ فليؤدِّ الداعية واجبه في كل ظرف وفى كل جو والبقية على الله تعالى والهدى هدى الله عز وجل وإن في قصة ذى النون - عليه السلام - لدرسًا لأصحاب الدعوات ينبغى أن يتأمَلوه وأن في رجعة ذى النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغى أن يتدبروها والقرآن الكريم لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة ، ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلًا لا للنظر المجرد"
وفى قصة يونس عليه السلام الذى لم يصبر على تكاليف الرسالة في لحظة من اللحظات فضاق صدرًا بالقوم وألقى عبء الدعوة وذهب مغاضبًا ضيق الصدر حرج النفس فأوقعه الله في الضيق الذى تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين ، ولولا أنه ثاب إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه فما فرَّج الله عنه هذا الضيق
يقول عزَّ من قائل: )وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظنَّ أنه لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين (( 373)
فمن مسه الضر في فتنة من الفتن وفى ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه وقدرته على كشف الضراء وعلى العوض والجزاء فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء وليذهب بنفسه كل مذهب فما شئ من ذلك بمبدل ما به من البلاء: )من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ( والذى ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة وكل نسمة رخية وكل رجاء في الفرج ويستبد به الضيق ويثقل على صدره الكرب فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء إلا أنه لا سبيل في احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ومضاعفة الشعور به والعجز عن دفعه بغير عون الله
وأخيرًا فإنَّ الذين احتملوا في الطريق إلى الله ما احتملوا فلم ينكصوا ولم يأسوا الذين صبروا على فتنة الناس وعلى فتنة النفس الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع أعمالهم ولن ينسى جهادهم إنه تعالى سينظر إليهم من عليائه فيرضيهم وسينظر إلى جهادهم فيه فيهديهم وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم: )والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين (( 374)
وأما الذين يفتنون المؤمنين ويسومونهم سوء العذاب فما هم أبدًا بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين مهما انتفخ باطلهم وانتفش ومهما زاد ظلمهم وانتعش فكما أن الله تعالى جعل الابتلاء سنة جارية ليميز الخبيث من الطيب فقد جعل أخذ الظالمين أيضًا سنة لا تتبدَّل ولا تتخلف فكل هذه القوى بكل ما تملك من وسائل التقنية الحديثة ومن وسائل الإبادة والتدمير مثلها: )كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (( 375)
نعم فأين الطواغيت والفراعنة والجبابرة والأكاسرة والقياصرة ؟!
أين فرعون الذى قال لقومه: )أنا ربكم الأعلى ( واستخفهم بقوله: ) أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى( ؟!
فأجراها الله من فوقه !!!
أين نمرود بن كنعان الذى قال لإبراهيم - عليه السلام -: )أنا أحيى وأميت(؟!
أين قارون الذين قال في خيلاء وكبر واستعلاء: )إنا أوتيته على علم عندى(؟!
وأين عاد وأين ثمود ؟ وأين أبو جهل وأبو لهب ؟
)فكلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليهم حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (( 376)
فيا أيها الظالمون:
يا أيها المجرمون:
محال أن يموت المظلومون ويبقى الظالمون فاعلموا ما شئتم فإنا عاملون وجوروًا فإنَّا إلى الله مستجيرون وأظلموا فإنَّا إلى الله متظلمون: )وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون(
ولله در القائل:
لهم في الغى بل أين فرعون وهامان؟
وذكرهم في الورى ظلم وطغيان؟
أين من غرهم لهو وسلطان ؟
أو هل نجا منه بالأموال إنسان ؟
عدم الكلم يفنى فلا إنس ولا جان
أين الظالمون وأين التابعون
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم
أين الجبابرة الطاغون ويحهموا
هل أبقى الموت ذا عزٍّ لعزته
لا والذى خلق الأكوان من
فيا أيها الظالمون:
اتقوا دعوة المظلومين فليس بينها وبين الله حجاب فإن الله تعالى يرفعها إليه فوق الغمام ويقول لها:"وعزتى وجلالى لأنصرنك ولو بعد حين"
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
يدعو عليك وعين الله لم تنم
فلا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا
تنام عيناك والمظلوم منتبه
إن عين الله يقظى لا تنام
فعدل الله دائم بين الأنام
فإن أخذه شديد ذى انتقام
أيها المظلوم صبرًا لا تهن
نم قرير العين واهنأ خاطرًا
وإن أمهل الله يومًا ظالمًا
أما أنت:
فإنَّ نصر الله دائمًا وحتمًا في نهاية الطريق وهى سنة لابد منها في النهاية بموعود الله جلَّ وعلا ولكنها تجئ في موعدها المحدد من الله جلت حكمته ولا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين الخالصين المخلصين يصابون بالأذى ولا أن المجرمين والظالمين والضالين يقدرون على صب الفتن على رؤوس المؤمنين ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد لله إنما يرغب في هداية قدمه حبًا لهم وخوفًا من عذاب الله في الدنيا والآخرة لا يعجلها عن مودعها شئ من ذلك كله فإن الله تعالى لا يعجل لعجلة أحد من خلقه ولا مبدل لكلماته سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم أو بالأجل المرسوم