فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 3028

"ولكنه الإعداد الحقيقى لتحمل الأمانة فهى في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق وإلا بالاستعلاء الحقيقى على الشهوات وإلا بالصبر الحقيقى على الآلام وإلا بالثقة الحقيقة في نصر الله أو في ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء والنفس تصهرها الشدائد فتنفى عنها الخبث وتستجيش كامن قواها المذخورة فلا يكفى أن يقول الناس: آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا الفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب )أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمَّنا وهم لا يفتنون ( هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله سبحانه: ) ولقد فتَّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين ( فالفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف لأن الإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة وفى قلوبهم تجرُّد لها وإخلاص لا يحملها إلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمة والسلامة وعلى المتاع والإغراء ، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة فهى أمانة كريمة وهى أمانة ثقيلة ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء ولله الحكمة البالغة فإن برزو المجرمين لحرب الدعوات يقوى عودها ويطبعها بطابع الجد الذى يناسب طبيعتها ، وكفاح وجهاد أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها مهما كلفهم من مشقة وكلفة هو الذى يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة ، وهو الذى يمحص القائمين عليها ويطرد الزائفين عنها فلا يبقى إلا العناصر القوية المؤمنة المتجردة التى لا تبتغى المغانم ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغى بها وجه الله تعالى مؤثرين دعوتهم على الراحة والمتاع وأعراض الحياة الدنيا بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها وهؤلاء بجدارة هم أصحاب الأهلية لحمل راية هذه الدعوة والسير بها بين الأشواك والصخور وهم واثقون فيما عند الله تعالى من إحدى الحسنيين ! إما النصر وإما الشهادة"(353)

"وهكذا فإن موكب الدعوة إلى الله الموغل في القدم الضارب في شعاب الزمان ماض من الطريق اللاحب ماضٍ في الخط الواصب مستقيم الخطى ثابت الأقدام يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل يقاومه التابعون من الضالين والمتبوعين ويصيب الأذى من يصيب من الدعاه وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء والموكب في طريقه لا ينحنى ولا ينثنى ولا ينكص ولا يجيد والعاقبة مهما طال الزمن للمؤمنين" (354)

والوصول - أحبتى - إلى هذا المرتقى الكريم يحتاج حتمًا إلى زاد الدعوة اللازم لكل مرحلة من مراحل هذا الطريق الطويل الشاق ألا وهو"الصبر الجميل"

أجل لابد من هذا الزاد الذى لا يمكن البتة أن يتحرك موكب الدعوة إلا به حتى لتحتاج نفس محمد e في تجردها وانقطاعها للدعوة وفى ثباتها وصلابتها وصفائها وشفافيتها تحتاج نفسُ محمد e بالرغم من هذا كله إلى هذا التوجيه الربانى الكريم بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة وقطف الثمار فيأمره الله جلًّ وعلا بالصبر في عشرين موضعًا من القرآن الكريم مرة بصيغة"اصبر"وهى ثمانى عشر واثنتان بصيغة"اصطبر"أما الصبر فقد ورد في نحو تسعين موضعًا في القرآن الكريم فهو أكثر خُلق تكرر ذكره في كتاب الله عز وجل

ولنقرأ معًا بعض هذه الآيات الكريمة:

قال تعالى: )فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل (( 355)

)واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (( 356)

)فاصبر إن العاقبة للمتقين (( 357)

)واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (( 358)

)واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (( 359)

)ولربك فاصبر (( 360)

)اصبر على ما يقولون (( 361)

)فاصبر إن وعد الله حق (( 362)

)واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا (( 363)

)فاصبر صبرًا جميلًا (( 364)

ثم يأتى الأمر بالصبر بعد النبى إلى الأمة في آيات كثيرة أيضًا:

يقول الله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (( 365)

)واستعينوا بالصبر والصلاة (( 366)

)يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (( 367)

ثم بشر الله عز وجل الصابرين بهذه البشريات الكريمة فقال جل من قائل: )ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (( 368)

ثم زاد الله كرامة الصابرين في الجنة بدخول الملائكة للسلام عليهم كما قال عز وجل: )والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (( 369)

وبعد هذا التفضيل يجمل الله تعالى كرامة الصابرين في قوله تعالى: وهو الغنى الكريم: )إنمَّا يوفىَّ الصابرون أجرهم بغير حساب (( 370)

ذلكم هو شرف الصبر ولذا جعله النبى e خير وأوسع عطاءُ يعطاه العبد من الله جلَّ وعلا

كما في الحديث الصحيح من حديث أبى سعيد الخدرى tوفيه:"ومن يستعفف يُعُّفهُ الله ومن يستغن يُغنه الله ومن يتصبر يُصبره الله وما أعطى أحدُ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر" (371)

وقال:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (372)

ولكن الصبر الجميل ليس مجرد كلمة ترددها الألسنة مع ضيق الصدر وتململ القلب كلا ، إنما الصبر الجميل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت