فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 3028

إنه نموذج متكرر في كل جيل وحين ، يَزنُ العقيدة والإيمان والالتزام بميزان الربح والخسارة كأنها صفقة في أسواق التجارة !! )فإن أصابه خير اطمأن به ( وقال: إن الإيمان خير فها هو ذا يجلب النفع ، ويدر الضرع وينمى الزرع ويربح التجارة ويكفل الرواج: ) وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ( خسر الدنيا بالبلاء الذى أصابه فلم يصبر عليه ولم يتماسك له ولم يرجع إلى الله فيه وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه وانكفائه عن عقيدته وانتكاسه على الهدى الذى كان ميسرًا له والتعبير القرآن يصوره في عبادته لله"على حرف"غير متمكن من العقيدة ، ولا متثبت في العبادة يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى ومن ثم ينقلب على وجهه عند مسِّ الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب ولا ريب ) ذلك هو الخسران المبين ( يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى إلى جوار خسارة المال أو الولد أو الصحة أو أعراض الحياة الأخرى التى يفتن الله بها عباده ويبتلى بها ثقتهم فيه وصبرهم على بلائه وإخلاصهم أنفسهم له واستعدادهم لقبول قضائه وقدره ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان فياله من خسران !"(350) "

فليس الإيمان كلمةَ تقُال باللسان فحسب ولكنَّ الإيمانَ حقيقةُ ذات تكاليف ثقيلة وأمانةً ذات أعباء كبيرة وجهادً كبير يحتاج إلى صبر جميل

"فلا يكفى أن يقول الناس: آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصُرهم خالصة قلوُبهم كما تفتن النارُ الذهبَ لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوى وله دلالتهَ وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب وكثيرة من الفتن والمحن والابتلاءات التى يتعرض لها أهل الإيمان على طول الطريق فمنها أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ثم لا يجد النصير الذى يسانده ويدفع عنه ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة ولا يجد القوة التى يواجه بها الطغيان وهذه هى الصورة البارزة للفتنة المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة ولكنها ليست أعنف صور الفتنة فهناك فتن كثيرة في صور شتى ربما كانت أمر وأدهى فهناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك عنهم دفعًا وقد تعصف الفتنة بالقلوب إذا وقع بأهله وأحبابه البلاء أمام عينيه وبين يديه وهو مشلول الحركة لا يستطيع أن يفعل شيئًا !"

وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير المخدوعة وتتحطم في طريقهم العوائق وتصاغ لهم الأمجاد وتصفو لهم الحياة في الوقت الذى يرى المؤمن نفسه مهملًا منكرًا غريبًا لا يحس به أحد ولا يشعر بقيمة الحق الذى معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يقدرون على شئ حتى ولا عن دفع الأذى عن أنفسهم

وهناك فتنة من نوع آخر ، نراها بارزة في هذه الأيام ألا وهى أننا نرى دولًا وأممًا غارقة في الكفر والرذيلة والانحطاط الأخلاقى المزرى ومع ذلك فهى تعانق كواكب الجوزاء في الجانب التكنولوجى

ووصلت إلى مرحلة مذهلة من التقدم العلمى وقد يجد الفرد فيها من الرعاية الاهتمام ما يناسب قيمة الإنسان !! وإن كانت عاجزة عن تقديم نموذج إنسانى للقيم النبيلة

وهناك الفتنة الكبرى ، فتنة النفس والشهوات وجاذبية الأرض وثقلة اللحم والدم والرغبة في المتاع والسلطان أو في الدعة والاطمئنان ومشقة الاستقامة على طريق الإيمان والاستواء على مرتقاه مع المعوقات الكثيرة في ملابسات الحياة وفى منطق البيئة وفى تصورات أهل هذا الزمان!" (351) "

وهناك فتنة الغربة في الدين والاستيحاش في العقيدة حتى أضحى المسلم غريبًا في بيئته بين أهله وإخوانه حتى يقول الإمام ابن القيم: بل الإسلام الحق الذى كان عليه رسول الله e وأصحابه هو اليومَ غربةً منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة ، فالإسلام الحقيقى غريب جدًا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس ، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس ، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورئاسات مناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ؟!

فإن نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التى هى منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التى هى غايات مقاصدهم وإراداتهم فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله عن طريق المتابعة غريبًا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحمهم وأعجب كل منهم برأيه ؟!

وفى الحديث عن عبد الله بن مسعود tقال: قال رسول الله e:"إنَّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس" (352)

فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله عز وجل كانت الفتنة أشد وأقسى وكان الابتلاء أصعب وأعنف ولم يثبت إلاَّ من عصمه الله عز وجل فالابتلاء تاريخ طويل وقصة كفاح وتضحيات ضخمة كبيرة منذ اللحظات الأولى لتاريخ بنى الإنسان أجل فما الذى لاقاه نوح عليه السلام ؟ وما الذى لاقاه إبراهيم عليه السلام ؟ وما الذى لاقاه يوسف عليه السلام ؟ وما الذى لاقاه أيوب عليه السلام ؟ وما الذى لاقاه أمام النبيين وسيد المرسلين محمد e إنها قصة طويلة بطول الطريق قاسية بقسوة مِحَنِه ، وفتنة شديدة بشدة الابتلاءات

والسؤال الذى يقفز إلى أذهان الكثيرين وربما يمنعهم حياؤهم من التصريح به ألا وهو:

فما هى الحكمة من كل هذه المحن والفتن والابتلاءات ؟

والذى يجب أن يكون راسخًا في القلب لا تعصف به الرياح ولا تزعزعه الاهواء أن نعلم يقينًا أنه ليس أحد أغير على الحق وأهله من الله جلَّ وعلا ، وحاشا لله الرحمن الرحيم أن يعذب أولياءه من المؤمنين بالفتن وأن يؤذيهم بالابتلاءات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت