فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 3028

ومن ثم فإن تتبع العثرات ، والبحث عن الزلات ، والوقوف عند الهفوات ، وتصيد الأخطاء والهنات كل ذلك مع التغافل عن جميع الإيجابيات والحسنات دليل على سوء الطوية وفسد المقاصد والنيات !!

وأحذر نفسى وإخوانى من أفراد الحركة الإسلامية من هذا الظلم الذى يكثر وتشم رائحته في حال الخلاف الحركى والمنهجى لأننا نرى رائحته في حال الخلاف الحركى والمنهجى لأننا نرى من بين أبناء الحركة من يمارس نوعًا من الإرهاب الفكرى بإشهار سيف الطعن والتجريح لكل من يخالفه في الفكر أو في المنهج أو في الجماعة ويصوب إليه سهام الاتهام برقة الدين أو بالجهل أو بإتباع الهوى أو بالنفاق أو بالكفر وأخيرًا بالعمل لصالح أجهزة الأمن هكذا بدون بينة أو تثبت أو تورع وهذا من أخطر الأمراض التى إن لم تتجاوزها الحركة سيعرضها لخسائر كبيرة فادحة نسأل الله أن يطهر قلوبنا وأن يصلح أعمالنا وأن يجعل سرنا خيرًا من علانيتنا إنه ولى ذلك والقادر عليه

القاعدة السادسة: أعرف الحق تعرف أهله:

فإن الحق لا يُعرف بالرجال ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق ، ولا يوجد أحد مهما كان حجة على دين الله عز وجل إلا المعصومe

لأنه مما يؤلم القلب أن نرى من بعض أفراد الحركة الإسلامية تعصبًا بغيضًا لبعض الشيوخ أو لبعض الجماعات أوقع الحركة في إرباك شديد وحرج كبير وتأخر مرير !!

"وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله e ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله e حتى كان صديق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها e يقول:"أطيعونى ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لى عليكم" (336) "

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولا يجب على أحد من المسلمين تقلُيد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول ولا يجب على أحد من المسلمين التزاُم مذهب شخص معين غير الرسول e في كل ما يوجبه ويخبر به ، بل كل أحد من الناس يوخذ من قوله ويترك إلا رسول اللهe (337) "

ثم يقول في موضع آخر:"والمقصود بهذا الأصل أن من نصب إمامًا فأوجب طاعته مطلقًا اعتقادًا أو حالًا فقد ضل في ذلك وكذلك من دعا إلى إتباع إمام من أئمة العلم في كل ما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقًا كالأئمة الأربعة" (338)

وهذا تلميذه ابن القيم يقول:"اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يُلتفت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله فهذا والله هو الذى أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله ولم يظهر في الأمة إلى بعد إنقراض القروض الفاضلة" (339)

وهذا الإمام الشاطبى يبدعُ في هذا المجال إبداعًا في كتابه القيم"الاعتصام"فيقول:"ولقد ذل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل ولنذكر لذلك عشرة أمثلة:"

وبعد ما ذكر هذه الأمثلة يقول:"فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعى المطلوب شرعًا ، ضلال ، وما توفيقى إلا بالله، وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره ثم نقول: إن هذا مذهب أصحاب رسول الله e ومن رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم علم ذلك علمًا يقينًا" (340)

ومن نفيس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قوله:"وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقة ويوالى ويعادى عليها غير النبى e ولا ينصب لهم كلامًا يوالى عليه ويعادى غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون" (341)

وها هم الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء المخلصين يحذرون تحذيرًا شديدًا من هذا التعصب للأشخاص لا للحق ‍‍

فيقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى:"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيى فإن وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" (342)

وهذا هو الإمام الشافعى - رحمه الله - يقول:"ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة للنبى أو تعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول قول رسول الله e وهو قولى وجعل يردد هذا الكلام" (343)

وهذا هو الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - يقول:"لا يحل لمن يفتى من كتبى حتى يعلم من أين قلت" (344) وكان يقول:"هذا رأيى وهذا أحسن ما قلت فمن جاء برأى خيرٍ منه قبلناه" (345)

وهذا هو الإمام أحمد - رحمه الله - يقول:"لا تقلدونى ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعى ولا الثورى وكان يقول من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا" (346)

وهذا هو الإمام أبو حامد الغزالى - رحمه الله - يقول:"وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال لا الرجال بالحق والعاقل يقتدى بسيد العقلاء على بن أبى طالب t حيث قال:"لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله" (347) "

وفى هذه القواعد كفاية إن شاء الله تعالى وأرجو الله أن ينفعنا وإياكم بها إنه ولى ذلك والقادر عليه

وبعد - أحبتى في الله - فإن طريق الدعوة مع كل هذا الزاد الذى تزودنا به ليس طريقًا هينًا لينًا ولكن سيعترض طريقنا - وبشدة - كثير من العقبات والمحن والفتن لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب ولكنه حقيقة كبيرة ذات تكاليف وأمانة عظيمة ذات أعباء ولا يكفى أبدًا أن يقول الناس آمنا حتى يتعرضوا للفتن والمحن فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به: )أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (( 348) ومن ثم فلابد من الصبر الجميل وهذا هو زادنا في الخاطرة المقبلة

الخاطرة الحادية عشرة

وزادنا الخامس صبر جميل

إنَّ طريقَ الدعوة إلى الله عزَّ وجل ليس هينًا لينًا وليس مفروشًا بالزهور والورود والرياحين ولا خاليًا من المكذبين والمعاندين والمحاربين

ولكنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء ، محفوف بالمخاطر والفتن والابتلاءات ، يدوى في جنباته عويلُ المجرمين من الكفار والمنافقين

إذْ لو كان سلوك هذا الطريق الكريم سهلًا لينًا لا يكلف عرقًا وروحًا ودمًا ‍‍لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة ولاختلطت حينئذ دعوات الحق ودعاوى الباطل!!

إذًا فليس الإيمُان كلمة تُقال باللسان فحسب حقيقة كبيرة ينبغى أن يعيها السالكون والسائرون على طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من النبيين والمرسلين - عليهم صلوات الله أجمعين - ونسيان هذه الحقيقة الكبيرة في أى مرحلة من مراحل هذا الطريق بل وفى أى لحظة من اللحظات قد يعرض لأضرار خطيرة وفتن كبيرة

لأن هناك نموذجًا من الناس يعلن كلمة الإيمان في وقت الدعة والراحة والرخاء وهو يحسبها خفيفة الحمل هينة المؤونة سهلة التكاليف فإن تعرَّض لفتنة أو محنة أو ابتلاء هلع وجزع وسقط والعياذ بالله ، واختلت في نفسه القيم واضطربت بين يديه وتزعزعت في قلبه العقيدة ولقد وصف العليم الخبير هذا الصنف من الناس وصفًا دقيقًا في قوله جل وعلا: )ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصِرُ من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (( 349)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت