فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 3028

"ولا توجب هذه الزلَّة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذى لا يُجهل وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ، والكامل من عُدَّ خطؤه ولاسيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذى زلت فيه اقدام وضلت فيها أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا - إلا أقلهم - على أودية الهلكات" (318)

وهذا الإمام الذهبى يقول عن الإمام أبى حامد الغزالى:"الغزالى إمام كبير وما من شرط العالم أنه لم يخطئ" (319) وقال الذهبى أيضًا:"فرحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعى عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول" (320)

هذا هو العلم والعدل والإنصاف وحينما تضيع هذه القاعدة الجليلة تكثر الاتهامات وتزيد الافتراءات وتستعر نار الفتنة بين أبناء الحركات الإسلامية ويخيم على العلاقة بين أبنائها التشنج والانفعال والتجريح الذى لا يمكن أبدًا أن يؤصل فكرًا أو أن يصحح خطأ، أو أن يُعدلِّ مسارًا أو يُنجح دعوى فالله الله في العودة إلى منهج السلف الرشيد بعيدًا بعيدًا عن القيل والقال والمهاترات والانفعالات والمشاحنات الحزبية الضيقة وهذا مرتقى صعب لا يصل إليه إلا الخُلَّصِ من الرجال الأبرار الذين أنعم الله عليهم بصدق النية ونقاء القلب الذين أخلصوا عبوديتهم لله جل وعلا ، وما أحوج الحركة الإسلامية إلى هذا الطراز من هؤلاء الأطهار الأخيار أسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم منهم بمنه وكرمه وأختم هذه القاعدة الكريمة بهذا الحديث النبوى المبارك من حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن النبى e، قال:"إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا" (321)

القاعدة الخامسة: الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات والحسنات والسيئات:

فما من مُسلم إلا وله محاسن ومساوئ ومن الظلم البين أن تذكر من أخيك أسوأ ما تعلم وأن تكتم منه خير ما تعلم والله جلَّ وعلا يقول: )ولا تبخسوا الناس أشياءهم (( 322)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -"ويعلمون - أى أهل السنة - أن جنس المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس الفلاسفة وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحيانًا كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابيْن وإن كان يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام كما قال الله تعالى: )ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدِّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لايؤدِّه إليك إلا ما دمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (( 323) (324) "

وفى صحيح البخارى من حديث عمر بن الخطاب t: أن رجلًا كان على عهد النبى e كان اسمه عبد الله وكان يُلقبُ حمارًا وكان يضحك النبى e وكان النبى e قد جلده في الشراب فأوتى به يومًا فأمَرَ به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنهُ ما أكثر ما يؤتى به ! فقال النبى e:"لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" (325)

فهذا الصحابى tقد زلت قدمه وضعفت نفسه فارتكب كبيرة من الكبائر بل وكررها ولكن لا يعنى هذا أنه قد فسد بالكلية أو أنه قد كفر عياذًا بالله كما يقول الخوارج الذين يكفرون بالمعصية ، بل إن فيه من الصفات والخصال الحميدة الأخرى التى توجب محبته وموالاته كحب الله ورسوله e كما أخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام

وهذا صحابى جليل آخر يزل زلة عظيمة كبيرة عدها الفاروق عمر بن الخطاب t نفاقًا بل وطلب من رسول الله e أن يأذن له في ضرب عنقه ولكن الرسول e يشهد له بالصدق ويهب هذه النقيصة والزلة الكبيرة لفضله وسبقه وجهاده ويأمرهم أن يذكروا:"حاطب بن أبى بلتعة"بما فيه من خير ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم وغيرها عن على بن أبى طالب tقال:"بعثنى رسول الله e أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ (326) فإن بها ظعينة (327) معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا:"

أخرجى الكتاب ، قالت: ما معى من كتاب قلنا: لُتخْرجَّن الكتاب أو لُتْلقَّين الثياب، فأخرْجتهُ من عقاصها ، قال: فأتينا به النبى فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله فقال رسول الله e: يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علىَّ إنى كنتُ امرءًا ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم فكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة بأحببتُ إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم ان أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتى وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا عن دينى ولا رضى بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله e:"إنه قد صدقكم"فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله e:"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، قال: فأنزل الله عز وجل )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء (( 328)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

"فمن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيُحمد ويُذم ، يُثاب ويعاقب ويُحب من وجه ويبغض من وجه ، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة ، ومن وافقهم" (329)

ويؤَّكد الإمام الذهبى هذه القاعدة فيقول:"إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدى به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك" (330)

ويقول الإمام ابن القيم:"ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذى له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يُتبع فيها ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" (331)

ثم يقول في المدارج:"فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها" (332)

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إحدى رسائله:"ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبَّين لكم خطؤه ، بل الواجب: السكوت والتوقف فإذا تحققتم الخطأ بينتموه ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مئة أو مئتين أخطأت فيهن فإنى لا أدَّعى العصمة" (333)

ورحم الله سعيدَ بن المسِّيب إذ يقول:"ليس من شريف ولا عالم ولا ذى فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغى أن تُذكر عيوبه فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله" (334)

فالزلل والخطأ والنقص صفات ملازمة للبشر وأبى الله تعالى أن يُلبس ثوب العصمة إلا لنبيه e ولو نجا من الخطأ والزلل أحد لنجا منه أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل وهم أصحاب النبىe ومن رحمة الله بهذه الأمة الميمونة أن من اجتهد رأيه فأخطأ فيه فله أجر ومن اجتهد رأيه فأصاب فيه فله أجران - ولاشك أنه لابد أن يكون حتمًا من أهل الاجتهاد - كما في حديث البخارى ومسلم أنه e قال:"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (335)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت