فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 3028

وبهذا تطهر هذه الآية وحدها الضمير الحىَّ من داخله حتى لا يتلوَّث بظن سيئ أو شك مدمر حتى تظل القلوب صافية هادئة لا يعكرها القلق والشك والريبة والظن وحتمًا ما أجملها من حياة وما أسعدها من عيشة في ظل مجتمع تحيا فيه هذه القلوب السليمة الصافية !!

ويأتى الأمر النبوى الكريم مؤكَّدًا لهذه المعانى السامية في هذه الآية الكريمة فيقول e:"إياكم والظن فإن الظَّن أكذبُ الحديث" (307)

قال علماؤنا: فالظن هنا وفى الآية هو التهمة ومحل التحذير والنهى إنما هى تهمة لا سبب لها يوجبها ، والذى يميز الظنون التى يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظُّن الفساد به والخيانة محرم ، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبح" (308) فالأصل هو إحسان الظن بالمسلمين حتى يتبيَّن خلافه بالدليل القاطع الذى لا شك فيه فكيف يكون الحال مع إخوانك على طريق الدعوة إلى الله جلَّ وعلا فمن الواقع المر الذى يتذوقه ويسمعه ويراه أى متابع للحركة الإسلامية أن نرى سوء الظن أحيانًا يتعدَّىِ إلى النيات كذلك وليس على الأقوال والأعمال فحسب وهذا من الظلم البينِّ فإنَّ السرائر علمها عند الله وحده الذى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ولا يغيب عنه سرُ ولا علانية"

القاعدة الرابعة: وجوب العلم والعدل والأنصاف:

فمن تكلم في غيره بغير علم فقد خالف قول الله عز وجل: )ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (( 309)

ومن تكلم في غيره بظلم فقد خالف قول الله عز وجل: )ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (( 310)

فالعلم والعدل أصل كل خير والظلم والجهل أصل كل شر

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودى أو نصرانى فضلًا عن الرافضى قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق" (311)

والعجيب أن شيخ الإسلام لعلمه وعدله وإنصافه كان لا يتردد البتة أن يعترف بفضائل المبتدعة إذا ثبت عنهم ذلك فيقول شيخ الإسلام مثلًا:"وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفّار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارًا ، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوًا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثمًا بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارًا فصاروا مسلمين وذلك كان شر بالنسبة إلى القائم بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفّار فهو خير وأكثر المتكلمين يردون باطلًا بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلمًا مبتدعًا وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها منها وهى بدعة أهل السنة" (312)

ثم يقول رحمه الله في موضع آخر:"ولما كان اتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس ولهذا قال النبى e:"القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" (313) (314) ومن أجمل ما قاله الإمام الذهبى - رحمه الله تعالى - قوله:"غلاة المعتزلة وغلاة الشيعة وغلاة الحنابلة وغلاة الأشاعرة وغلاة المرجئة وغلاة الجهمية وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا وكثروا وفيهم أذكياء وعباد وعلماء نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع ونحب السُّنة وأهلها ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ إنما العبرة بكثرة المحاسن (315)

وخذ مثالًا تطبيقيًا لهذا المنهج الراشد الذى يعلمنا إياه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وهو حكمِ شيخ الإسلام ابن تيمية على الإمام ابن حزم رحمه الله فيقول: وكذلك أبو محمد ابن حزم رحمه الله فيقول:"وكذلك أبو محمد ابن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يُستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة وكذلك ما ذكره في باب الصفات فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن الكريم وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك لكن الأشعرى ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن الكريم والصفات وإن كان أبو محمد ابن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيمًا له ولأهله من غيره لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معانى مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له ، كما نفى المعانى في الأمر والنهى والاشتقاق وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب مضمومًا إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر والإسراف في نفى المعانى ودعوى متابعة الظواهر وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدافعه إلا مكابر ويوجد في كتبه من كثرة الإِّطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره فالمسألة التى يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء" (316)

وهذا تلميذه النجيب الإمام ابن القيم - رحمه الله - في حكمه على الإمام أبى إسماعيل الهروى الذى ألَّف كتابه في علم التصوف والسلوك وسمَّاه"منازل السائرين"فشرحه الإمام ابن القيم في كتابه القيم"مدارج السالكين بين منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين"وأثنى فيه ابن القيم على أبى اسماعيل الهروى بل وكان يلقبه"بشيخ الإسلام مع أنه قد استدرك عليه مسائل عديدة وتعقبه في أكثر من موطن وكان يعبر عن ذلك فيقول: شيخ الإسلام - أى الهروى - حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عنه - أى عن الهروى - عمله خير من علمه وصدق رحمه الله فسيرته بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد أهل البدع: لا يُشقُّ له فيها غبار وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوىe (317) "

ويستدرك ابن القيم عليه خطأ آخر فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت