فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 3028

هل هو الإخلاص والنصح الصادق لله ورسوله e وللمسلمين ؟ أم لهوى ، أو لحسد أو لبغض أو لغير ذلك فلتكن - أخى الحبيب - على حذَّر واعلم بأن الله جلَّ وعلا يعلم السر وأخفى

القاعدة الثانية: التجرد عن الهوى:

والهوى من النوازع الخفية التى تتسلل إلى القلب تدريجيًا حتى تسيطر عليه من حيث لا يشعر وحينئذٍ تنقلب موازينه ومن ثم يُحذِّر الله تعالى نبيًا كريمًا من أنبيائه - عليهم صلوات الله وسلامه - من هذا المرض الخطير والداء الكبير ، فيقول سبحانه وتعالى: )يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقَّ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (( 297)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمّه فلا يستحضر ما لله ولرسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضى الله ولرسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذى يرضى له ويغضب له أنه السَّنة وأنه الحق وهو الدين فإذا قُدَّر أن الذى معه هو المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هى العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله فكيف إذا كان الذى يدعى الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟" (298)

والله إنها كلمات تحتاج من أبناء الصحوة وقفة متأنَّية طويلة صادقة فهى تعدَّ أصلًا من أصول التقويم والحكم على الآخرين ، والله دره حينما يعلمنا أنه حتى ولو كان رأى الإنسان صحيحًا ولكنه لم يقصد به وجه الله تعالى ولم يرد به النصح للمسلمين فإنه مأزور غير مأجور فكيف إذا كان حال هذا الذى يحكم على غيره كغيره معه حق وباطل وسنة وبدعة !!!

ويقول تلميذه ابن القيم - رحمه الله -"وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق وغايته النصيحة لله ولكتابة ولرسوله ولإخوانه المسلمين وإن جعل الحق تبعًا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق ، قال تعالى: )ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن (( 299) فالعلم والعدل أصل كل خير والظلم والجهل أصل كل شر والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم فقال تعالى: )فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (( 300) اهـ (301) "

فيجب أن تكون أقوالنا وأحكامنا بعلم وعدل وأن يكون حبنا ونفورنا بعلم وعدل لا لمجرد اتباع الهوى الذى بذر في الصفوف بذور الشقاق والبغضاء والتنازع والخلاف وما أحوج الحركة الإسلامية في هذه الظروف إلى هذا الزاد العظيم إلى التجرد عن الهوى في الأقوال والأعمال والأحكام والتقييم وغيرها ليكون العمل خالصًا لله مقبولًا امتثالًا عمليًا لأمر الله جل وعلا: )وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (( 302)

وكان من سلفنا الصالح من يقول:"احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا قد أعمته دنياه"

ومن أجمل ما قاله الإمام العلم ابن ناصر الدين الدمشقى:"هيهات هيهات ، إن في مجال الكلام في الرجال عقبات ، مرتقيها على خطر ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم ولا وَزَر فلو حاسب نفسه الرامى أخاه: ما السبب الذى هاج ذلك ؟ لتحقق أنه الهوى الذى صاحبه هالك!" (303)

ورحم الله من قال:

وكل امرئ يدرى مواقع رشده ولكنه أعمى أسيرُ هواهُ

يشير عليه الناصحون بجهدهم فيأبى قبول النصح وهو يراهُ

هوى نفسه يعميه عن قصد رشده ويبصرُ عن فهمٍ عيوبَ سواهُ

لذا حذرَّنا النبى e من هذا الداء المهلك

ففى الحديث الذى رواه الطبرانى في الأوسط من حديث ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى e قال:"ثلاث مُهلكات وثلاث مُنجيات وثلاثُ كفَّارات وثلاث درجات فأمَّا المهلكات: فشحُّ مطاع وهوى متبع وإعجابُ المرءُ بنفسه وأما المنُجيِات: فالعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وخشية الله تعالى في السر والعلانية وأما الكفارات: فانتظارُ الصلاة بعد الصلاة وإسباغ الوضوء في السَّبَراتِ ونقل الأقدام إلى الجماعات وأما الدرجات فإطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام" (304)

وهكذا جعل النبى الهوى سببًا من أسباب الهلاك والعياذ بالله وفقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمرُ به العلم وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء وهكذا

وهنا قد يسأل المخلصون والصادقون فما العلاج ؟

وكيف يتخلص من ابتُلى بهذا الداء منه ؟

والجواب إليك - أيها الكريم - من الإمام ابن الجوزى - رحمه الله تعالى - فيقول لك:"بالصبر والمجاهدة ويهوِّنهما عدة أشياء منها:"

أولًا: التفكر في أن الإنسان لم يُخلق للهوى

ثانيًا: أن يفكر في عواقب الهوى فكم قد أفات من فضيلة وكم قد أوقع في رذيلة وكم من مطعم قد أوقع في مرض وكم من زلة أوجبت إنكسار جاهٍ وقبح ذكرٍ مع إثم !! غير أن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى!

ثالثًا: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه ثم يتصور الأذى الحاصل عقب اللذة فإنه يراه يرُبى على الهوى أضعافًا

رابعًا: أن يتدَّبر عزَّ الغلبة وذل القهر فإنه ما من أحد هواه إلا أحسَّ بقوة عزٍّ وما من أحد غلبه هواه إلا وجد في نفسه ذل القهر

خامسًا: أن يتفكرَّ في قائمة المخالفة للهوى من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا وسلامة النفس والعرض والأجر في الآخرة ثم يعكس فيتفكرَّ لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد وليفرض لهاتين الحالتين حالتى آدم ويوسف عليهما السلام في لذة هذا وصبر هذا ! فيا أيها الأخ النصوح أحضر لى قلبك عند هذه الكلمات وقل لى بالله عليك أين لذة آدم التى قضاها من هَمّة يوسف التى ما أمضاها ؟ من كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة ؟ فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة صار من قد عرفت" (305) "

وأختم لك بواحدة أراها أعظم جرعة دواء لهذا الداء

ألا وهى الاستعانة الكاملة بالله جلَّ وعلا الذى لا يخيب أبدًا من لجأ إليه صادقًا واستعان به مخلصًا وطلب منه العون والمدد في أن يعينه على هواه وشهواته ونفسه الأمَّارة بالسوء فإن الفضل كله بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فوالله من توكَّل عليه كفاه ، ومن اعتصم به نجَّاه ، ومن فوَّض إليه الأمر هداه أجل (أليس الله بكاف عبده) فى الحديث القدسى الجليل (يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم) (306)

لنسأل الله تعالى أن يهدى قلوبنا ويشرح صدورنا ويحفظنا وأياكم من الهوى والزلل إنه ولى ذلك ومولاه

القاعدة الثالثة: تقديم حسن الظن بالمسلمين:

امتثالًا لأمر الله جلَّ وعلا في هذه الآية العظيمة الجليلة التى تعلم الناس كيف ينظفون ويطهرون مشاعرهم وضمائرهم وأخلاقهم في أسلوب مؤثرَّ عجيب

يقول سبحانه: )يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إنَّ بعض الظن إثم(

نداء محبب إلى القلوب يا أيَّها الذين آمنوا لا تتركوا أنفسكم نهبًا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك ، لماذا ؟

)إن بعض الظن إثم(

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت