فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 3028

ونحن نعيش عصرًا عزَّ فيه العدل والإنصاف - إلا من رحم ربك - واُتبع فيه الهوى الذى يصمُّ الآذان عن سماع الحق ويعمى الأبصار عن رؤية الدليل ، ويُضل أصحابه عن سواء السبيل !!

ومما يؤلم القلب أننا نرى من بين أبناء الحركة الإسلامية من يغفل عن هذا الميزان الحق فيميل في أقواله وأفعاله وتعاملاته وأحكامه عن العدل والحق فقد يتغاضى عن أخطاء جماعته التى ينتمى إليها ويغض الطرف عن أخطاء شيخه الذى يأخذ عنه العلم، بل وقد يحاول تبرير هذه الأخطاء ، ومنهم من يوصلها - أحيانًا - إلى محاسن!!!

فجماعته هى جماعة المسلمين وهى وحدها التى تسير على الحق وما عداها من الجماعات فهى على الباطل !! ومن ثمَّ فكل ما تقول به جماعته فهو الصحيح- حتى وإن خالف الدليل - وكل ما تفعله جماعته فهو شرعى ، وكل ما يصدر عنها اجتهادات نظرية أو حركية فهو صواب !!

أما شيخه أو إمامه فهو لا يقبل فيه البتة نقدًا ولو كان هادفًا أو بنَّاءً ولا يقبل لقوله مراجعة فهو الأوسع علمًا والأنصع حجة الأقوى دليلًا حتى وإن لم يكن لديه دليل يقنع ولا علم يشبع !!

فإن قال شيخُه صار قوله حجةً لا ينبغى أن تُناقش ، وإن أصدر فتوى صارت فتواه ملزمة لا ينبغى أنْ ترد ، بل ويوالى ويعادى عليها ، مع أن الله جلَّ وعلا ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من الأئمة والعلماء وإنما تعبدنا الله جلَّ وعلا بما جاء في كتابه وما صحَّ عن رسوله e

ومن أروع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في هذا ، قول:"فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوىً أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نُسب إليهم ، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هى العليا وأن يكون الدين كله لله بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه ويرضون عَّمن يوافقهم وإن كان جاهلًا سئ القصد ليس له علم ولا حسن قصد فيفضى هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله ويذّموا من لم يذمه الله ورسوله ، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله وهذا حال الكفّار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم ويقولون هذا صديقنا وهذا عدونا لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس (287) اهـ"

ثم يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - في موضع آخر:"ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين كالرافضى الذى يتعصب لعلى - t - دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة - y - وكالخارجى الذى يقدح في عثمان وعلىَّ - رضى الله عنهما - فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون خارجون عن الشريعة والمنهاج الذى بعث الله به رسوله ، e فمن تعصَّب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء سواء تعصب لمالك أو الشافعى أو أبى حنيفة أو أحمد أو غيرهم اهـ (288) "

وفى المقابل قد نرى من بين من يزكون جماعتهم التى ينتمون إليها وشيوخهم الذين يتلقون عنهم قد نرى منهم من إذا أبغض جماعة أخرى أو شيخًا آخر جرد هذه الجماعة من كل خير وجرد هذا الشيخ من كل فضل ولا يسلط الضوء إلا على سقطاته وزلاته وقد ينطلق ليشنع بها ويدق بها الطبول ، علمًا بأن الكمال لله وحده والعصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وقد قيل: كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه !!

وأحسن الله إلى من قال:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تُبدى المساويا

وبالطبع لم يقف هذا الخلل الفكرى والقصور المنهجى عند هذا الحد فحسب ، بل تعدَّاه إلى ما كنَّا نخافه ونخشاه من وقوع التنازع والتباغض والتقاطع بل والعداء بين أبناء الحركات الإسلامية التى تعمل في الساحة وهذا واقع مرُ أليم مشاهد محسوس لا ينكره إلا من حبس نفسه في مكتب مكيف أو جلس ينظَّرُ للحركة من برج عاجى!!

ومن ثمَّ فإن أبناء الحركة الإسلامية بجميع فصائلها في أمس الحاجة في هذا الظرف الحرج إلى أن تتزوَّد لهذا الزاد الجليل العظيم التجرد والعدل والإنصاف والرجوع الصادق العملى إلى منهج سلفنا الصالح في الحكم والتعامل مع الآخرين حتى وإن كانوا من المخالفين

ونستطيع أن نقَّعد بعض القواعد الكلية لهذا المنهج القويم لتكون ميزانًا دقيقًا لأقوالنا وأفعالنا وأحكامنا وسائر معاملتنا ومنها ما يلى:

القاعدة الأولى: التورع في القول:

وهذه قاعدة جليلة الشأن قل من يتنبه إليها ، ولا شك أن التورع في القول ثمرة من ثمار المراقبة والخوف من الله جلَّ وعلا ، وهى مرتبة أشد من التورع عن الذهب والفضة كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

"ومن العَجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويعصب عليه التحفظ من حركة لسانه !! حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلَّم بالكلمة من سخط الله لا يُلقى لها بالًا ينزل منها أبعد مما بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفرى في أعراض الأحياء والأموات لا يبالى ما يقول!! (289) "

أجل فكم من الناس يتجرَّأ على إصدار الأحكام على الآخرين دون ورع أو تبينَّ أو تثبت فيجرِّح فلانًا ويعدَّل فلانًا وليته عالم من علماء الجرح والتعديل أو ليته ألمَّ على الأقل بقواعد هذا العلم حتى لا يقع في جور وظلم بل ومن الناس من تجاوز هذا بجرأة متناهية فجلس يكفر هذا وهذا ويحكم لهذا بالجنة ولهذا بالنار !!

وهذا رد فعل طبيعى حينما تتفلت الألسنة من قيودها الشرعية وحدودها المرعية التى حدَّها ربنا عز وجل وبينها نبيه e ولو تأمَّل العاقل في بعض ما ورد من النصوص التى وردت بشأن خطورة الكلمة لتوقف ألف مرة قبل أن ينطق بالكلام ويرمى به هنا وهناك ، وإليك بعضها:

يقول الله عز وجل: )ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (( 290)

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة tأن النبى ، e، قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (291)

وفى حديث معاذ بن جبل الطويل أن النبى قال لمعاذ:"ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟"

قلت: بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسانه ثم قال:"كُفّ عليك هذا"

قلت: يا نبى الله وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به: فقال:"ثكلتك أمك وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (292)

وفى الصحيحين عن أبى هريرة tعن النبى e قال:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" (293) ، وفيهما عنه أيضًا أن النبى e قال:"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالًا يرفعه الله بها في الجنة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالًا يهوى بها في جهنم" (294)

وكان سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - يعرفون خطورة الكلمة وحصائد الألسن حتى:"إن عمر بن الخطاب tدخل يومًا على أبى بكر الصدِّيق tوهو يحبذ لسانه فقال عمر: مَهْ؟ غفر الله لك فقال له أبو بكر: إنَّ هذا أوردنى الموارد" (295)

وما أدق ما قاله العلاّمة ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى: أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكَّام (296)

فعلى كل مسلم أن يتأمَّل كثيرًا قبل أن يقدم على الكلام في الآخرين وأن يسأل نفسه بصدق ما سيكون جوابى عند الله تعالى يوم القيامة إذا سألنى جلَّ وعلا لماذا قلت في فلان كذا وكذا ؟ وما الذى دفعك إلى هذا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت