وأختم بهذا الموقف الذى يتألق روعة وسموًا وجلالًا وتواضعًا فعن أبى مسعود t قال: أتى النبى e رجل فكلمه فجعل تَرْعدُ فراِئصُه فقال له النبى e:"هَوَّنْ عليك فإنى لست بملك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكد القديد" (279)
هذه هى أخلاق الداعية وهذه هى سماته حكمة ورحمة وتواضع
وبعد فهذا هو زادنا الثالث ولكن المهمة ليست يسيرة والرحلة على طريق الدعوة ليست قصيرة ألم أقل لكم: إنه طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله أجمعين !!
أجل ، فسوف تصادفنا عقبات وتزعجنا مشكلات وتعكر صفونا خلافات !!! فليكن زادنا في هذه المرحلة الذى ينير لنا في الظلمات ويفرق لنا بين المتشابهات ويضئ لنا مفارق الطرقات ونتعالى به على جميع الأهواء والخلافات هو: التجرد والعدل والانصاف فإلى الخاطرة العاشرة
الخاطرة العاشرة
وزادنا الرابع تجرد وعدل وإنصاف
إنَّ الحركة الإسلامية المعاصرة في حاجة ماسة في هذه الظروف الراهنة إلى"قلوب متحركة لله تعالى"لا تنظر إلى متاع دنيوى حقير زائل ، ولا تعمل من أجل الزعامة أو القيادة أو الصدارة أو من أجل الجماعة التى تنتمى إليها ولو كان ذلك على حساب المنهج الصحيح
إن الحركة الإسلامية المعاصرة في أمس الحاجة إلى هذه القلوب المتجردة التى لا يهمها على لسان من ستكون كلمة الحق مادامت كلمة الحق ستُقال ولا يزعجها أبدًا أين مكانها على طريق الدعوة الطويل هل هى في الصدارة في صفوف القادة أم في صفوف الجنود ، ما دامت في الميدان تعمل خالصة لله جل وعلا
أجل إن الحركة في أمس الحاجة إلى هذا الطراز من الدعاة من أصحاب هذه القلوب المتجردة الذين يُقْدمًون حينما يحجمُ الآخرون ويصبرون ويثبتون عندما يجزع الآخرون ويحلمون عندما يجهل الآخرون ويغفرون ساعة يخطئ في حقهم الآخرون ولا يثأرون لأنفسهم وذواتهم عندما يسئ إليهم الآخرون
فالداعية الصادق هو الذى يكون - دومًا - عبدًا لله لا عبدًا لذاته ولا لهواه ويتحرك بدعوته خالصة لله جل وعلا قائدًا كان أو جنديًا دون تطلع إلى زعامة أو دنيا أو متاع
ويزداد الأمر خطرًا إذا علمنا أن أول من تُسعرَّ بهم النار يوم القيامة هم أهل الرياء والكذب على الله الذين يزينون للناس في الدنيا أنهم لا يتحركون حركة إلا من أجل شهواتهم وأهوائهم وذواتهم فاستحقوا النار حتى ولو كان فيهم العِالم المعلم والمنفق الباذل والمجاهد المقاتل !!
لأن هؤلاء ما كانوا عبيدًا لله جلَّ وعلا بل كانوا عبيدًا لأنفسهم وذواتهم وشهواتهم الخفية ، وفى الحديث الذى رواه البخارى عن أبى هريرة tأن النبى e قال:"تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أعطى رضى وإن لم يُعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتُقش ، طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة وإن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع" (280)
ونقل الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث الكريم قول ابن الجوزى: والمعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو" (281) اهـ"
فهو متجرد في عمله لله جلَّ وعلا لا يريد إلا إياه ولا يبتغى إلا رضاه ومن ثمَّ فلا يعنيه في أى موقع سيكون ولا في أى الخنادق سيقاتل لأنه لا يريد تلميعًا سياسيًا ولا إعلاميًا وما أجَّله من هدف وما أعظمها من غاية وتالله ما انتصر الإسلام في جميع معاركه إلا بمثل أصحاب هذه القلوب الحية النقية المتجردة لله جل وعلا التى لا تبتغى بعملها إلا وجهه عز وجل
ويقفز إلى ذهنى الآن مشهدُ يتألقَّ سموًا وروعة وجلالًا ذلكم المشهد المهيب الكريم الذى يعلمه لنا أبو سليمان سيف الله المسلول خالد بن الوليد tوأرضاه ذلكم القائد الذى حيَّر القادة في ساحة الوغى وميادين البطولة والفداء ذلكم القائد الذى هابه الأبطال والفرسان ذلكم القائد الذى لم يهزم بإذن الله في معركة قط وها هو يتنازل - بأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t - عن القيادة في غاية الحب والرضى لأخيه أمين هذه الأمة أبى عبيدة بن الجراح ليتحول خالد على الفور إلى جندى مخلص في صفوف الجنود بعد أن كان قائدًا بالأمس وليصبح جنديًا مطيعًا بعد أن كان قائدًا مُطاعًا ، فليس الهدف من الذى يرفع الراية ، ولكن الهدف أن تظل الراية خفاقة عالية ، مرفوعة دائمًا سواء رفعها خالد أو أبو عبيدة y جميعًا ، بالله هل في لغة البشر ما نستطيع أن نعبر به عن تجرد وصفاء ونقاء وإخلاص هؤلاء الاطهار الذين رباهم سيد الرجال محمد e؟!!
إن قادة العمل الإسلامى بصفة خاصة وشباب الصحوة بصفة عامة في أشد الحاجة إلى هذا الدرس العملى الكبير لنجرد دعوتنا وأعمالنا لله جل وعلا ، تطبيقًا عمليًا لقول الله عز وجل: )قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (( 282)
ومن أروع صور التجرد لله جلَّ وعلا ، العدل والإنصاف في التعامل والحكم على الآخرين حتى وإن كانوا لك من المخالفين
وهذا من أعظم أنواع الزاد الذى نقدمه اليوم لأبناء الصحوة المباركة ، امتثالًا عمليًا لأمر الحق جلَّ وعلا: )يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (( 283)
"فالإسلام يُوجب على المسلم أن يكون عدلًا مع من يحب ومن يكره ، يقوم لله شهيدًا بالقسط ولو على نفسه ، ولا يخرجه غضبه عن الحق ولا يدخله رضاه في الباطل ولا تمنعه الخصومة من الشهادة لخصمه بما فيه من خير" (284)
"فلا عذر لمؤمن في ترك العدل وإيثاره على الجور والمحاباة وجعله فوق الأهواء وحظوظ الأنفس وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما ، فلا يتوهمن متوهم أنه يجوز ترك العدل في الشهادة للكافر أو الحكم له بحقه على المؤمن ، فلم يكتف - رب العزة جل وعلا - بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه ، بل أكد أمره بقوله تعالى: )اعدلوا هو أقرب للتقوى ( أى قد فرضت عليكم العدل فرضًا لا هوادة فيه اعدلوا هو - أى العدل المفهوم من اعدلوا - أقرب لتقوى الله أى لاتقاء عقابه وسخطه باتقاء معصيته وهى الجور الذى هو من أكبر المعاصى لما يتولد منه من المفاسد: ) واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ( ، أى لا يخفى عليه تعالى شئ من أعمالكم ظاهرها وباطنها ولا من نياتكم وحيلكم فيها وهو الحكم العدل القائم بالقسط فاحذروا أن يجزيكم بالعدل على ترككم العدل فقد مضت سنته العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا هو ذل الأمة وهوانها واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها ولجزاء الآخرة أذل وأخزى وأشد وأبقى"(285)
ومن ثم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"ومن أمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذى قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم في الدنيا مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم ولهذا قيل: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام ، وذلك أن العدل نظام كل شئ فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق ومتى لم تُقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة" (286)