فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 3028

وكذا قد يستدر العطف والشفقة والرحمة هذا الجانى الذى تعدى حدًا من حدود الله جل وعلا وهو متقدم ليقام عليه حدُّ الله ولكن عينُ الرحمة للإنسانية أن تستأصل نواة البشر في مهدها لتعيش الجماعة هادئة آمنة مطمئنة لأنه لو ترُك الجانى وأرخى له العنان فسوف يؤدى ذلك حتمًا إلى انتشار الجريمة بكل صورها وإلى تفاقم الشر والاستهتار بحرمات الناس وتموت الفضيلة وتنهار الأخلاق وحينئذٍ يذهب الفرد وتنهار الجماعة وليست الأمة سوى مجموعة أفراد !!

ومن ثم قال اللطيف الخبير العالم بخلقه: )ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون(

وبعد فإذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر ذنوبَ البغايا فكيف تصنع الرحمة بالموحدين من أصحاب الحسنات والخطايا !!

أجل ألم يقل الصادق المصدوق e:"بينما كلب يطيف برَّكيَّة (أى ببئرٍ) قد كاد يقتله العطش إذ رأته بَغِيِّةُ من بغايا بنى إسرائيل فنزعت موقها (أى خُفَها) فاستقت له به فسقته إياه فغُفر لها به" (269)

ومن الحكمة والرحمة إلى التواضع

فمن المزالق الخطيرة أن ينظر داعية إلى من يدعوهم نظرة المستعلى وأن يكلمهم كلام المترفع وكأن لسان حاله يقول لهم:

أنا العالم وأنتم الجاهلون !!

أنا الطائع وأنتم المذنبون !!

أنا التقى وأنتم الفاسقون !!

أنا المتبع وأنتم المبتدعون !!

أنا المهتدى وأنتم الضالون !

ألا تذكر - جميعًا - قول الله جل وعلا: )كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ( وقوله سبحانه: ) بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين(

فمهما أظهر الداعية من حكمة ورحمة ولم يتوج هذا بتاج التواضع فحتمًا ستنصرف من حوله القلوب لأن النفس البشرية تنفر من الكبر وتبغض المتكبرين ومن يطلب العزة في الكبر كمن يطلب الماء من النار !!

فما هو التواضع إذن ؟

"هو إنكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة للخلق حتى لا يرى له على أحد فضلًا ولا يرى له عند أحدٍ حقا" (270)

"وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع ؟ فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله" (271)

فليحذر الداعية أن يرى لنفسه - بدعوته - حقًا على الله جل وعلا فلن يدخل الجنة أحد بعمله إلا أن يتغمده الله جل وعلا برحمته

كما أخبرنا حبيب رب العالمين في الحديث الصحيح فقال:"سدِّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدُخل أحدَكم عملهٌ الجنَّة وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"

وفى رواية أخرى:"قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال:"ولا أنا إلا أن يتَغَمَدنَى الله بمغفرة ورحمة" (272) فيجب على الداعية أن يخلص لله جل وعلا في دعوته إخلاصًا تتوارى معه ذاته"

وليحذر الداعية أن يرى لنفسه فضلًا على الناس ولكنه في كل نفس من أنفاس حياته بالإسلام مدين لصاحب الفضل والمنة جل وعلا أجل فمن الذى اختاره مسلمًا وشرفه بالتوحيد وأنزل له القرآن وأرسل إليه أعظم رسله محمد ؟

ومما زادنى فخرًا وتيها وكدت بأخمصى أطأ الثريا

دخولى تحت قولك يا عبادى وأن صبرت أحمد لى نبيّا

ومن الذى علمه وفهمه ووفقه وأعانه وهو الذى يؤجره ؟

إنه الله جل جلاله صاحب الفضل كله وبيده الأمر كله فليسجد الداعية إلى ربه شاكرًا منكسرًا ذليلًا ضارعًا إليه أن لا يكله لنفسه طرفة عين فيهلك وأن يثبتًّ قلبه على الحق فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء وإنما الأعمال بالخواتيم ختم الله لنا ولكم جميعًا بالتوحيد والإيمان إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شئ قدير

وليحذر الداعية أن يزكى نفسه أو علمه أو دعوته فالذى يعلم القلوب ويطلع على الغيوب ويعلم السر وأخفى هو العليم الخبير جل وعلا الذى أمرنا بذلك فقال: )ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى(

لأن العُجب مدخل خطير من مداخل الكبر والعياذ بالله قد يزل فيه بعض الدعاة ظنًَّا منهم أنه لابد للعالم أو الداعية من هيبة تعلوه ولكن شتان شتان بين الهيبة وبين العُجب والكبر !!

فالمهابة كما يقول العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور ونزلت عليه السكينة، وأُلبس رداء الهيبة فأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة ، فحنت إليه الأفئدة وقرت به العيون؛ وأنست به القلوب فكلامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وإن سكت علاه الوقار وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع وأما الكبر فأثر من آثار العجب والبغى من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم ، ترحلت منه العبودية ونزل عليه المقت فنظره إلى الناس شزر ، ومشية بينهم تبختر ، ومعاملته لهم معاملة الاستيثار لا الايثار ولا الإنصاف ، ذاهب بنفسه تيهًا ، لا يبدأ من لقيه بالسلام ، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه ولا يسعهم خلقه ولا يرى لأحد عليه حقًا ويرى حقوقه على الناس ولا يرى فضلهم عليه ويرى فضله عليهم ، ولا يزداد من الله إلا بعدًا ولا من الناس إلا صغارًا ، وبغضًا اهـ (273)

فليحذر الداعية من استعظام عمله - أيًا كان - حتى لا يظن أن عمله أو دعوته جعلت له عند الله موضعًا وأنه قد استوجب بها الجزاء منه جل جلاله فهذا من الهلاك الذى حذر منه رسول الله e في قوله:"ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" (274)

وما أطيب قول الإمام ابن الجوزى - رحمه الله تعالى - إذا تَّم علمُ الإنسان لم ير لنفسه عملًا ولم يعجب به لأشياء منها أنه وفق لذلك العمل )وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ( ومنها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها ومنها أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل عمل وتعبُدٍ هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة ، فأما والغفلات تحيط به فينبغى أن يغلب الحذر من رده ويخاف العقاب على التقصير فيه فيشتغل عن النظر إليه ، وتأمَلْ على الفطناء أحوالهم في ذلك فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك والخليل عليه الصلاة والسلام يقول: ) والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين ( وما دَّل بصبره على النار وتسليمه الولد إلى الذبح ورسول الله e يقول:"ما منكم من ينجيه عمله قالوا ولا أنت قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته"وعمر يقول: لو أن لى طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه وهذا شأن جميع العقلاء اهـ(275)

فيا أيها الداعية الحبيب: اذكَّرُ نفسى وإيَّاك

أحسن أخلاق الفتى وأتمها تواضعه للناس وهو رفيع

وأقبح شئ أن يرى المرء نفسه رفيعًا وعند ربَّ العالمين وضيع

وفى الحديث الذى رواه مسلم عن عياض بن حمار - t- قال: قال رسول الله e:"إن الله أوحى إلىّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد" (276)

وكما ختمنا الحديث عن الزادين السابقين بدروس عملية من استاذ البشرية ومعلم الإنسانية e فلنختم الحديث عن هذا الزاد أيضًا - زاد التواضع - ببعض مواقف سيد المتواضعين عليه صلوات رب العالمين

فعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه سمع عمر بن الخطاب - t - يقول على المنبر: سمعت النبى e يقول:"لا تُطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (277)

وعن أنس بن مالك tقال:"إن ناسًا قالوا: يا رسول الله ويا خيرنا وابن خيرنا ، ويا سيدنا وابن سيدنا فقال رسول اللهe:"السَّيَّدُ الله"قالوا: أنت أفضلُنا فضلًا وأعظُمنا طَولًا فقال:"يا أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان إنى لا أريد أن ترفعونى فوق منزلتى التى أنزلنيها الله تبارك وتعالى أنا محمد بن عبد الله عبدُ الله ورسوُله" (278) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت