"إن الناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ودَّ يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمَْه يجب على الداعية أن تتوفر فيه الطبيعة الخيرة الرحيمة الهينة اللينة ، المعدة لأن تتجمع عليها القلوب وتتآلف حولها النفوس يجب على الداعية أن يكون رحيمًا بمن معه لينًا لهم ولو كان فظًا غليظ القلب ما تآلفت حوله القلوب ولا تجمعت حوله النفوس ولاشك أن الصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مقابل الشر بالشر يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ومن الجماح إلى اللين وينقلب الهياج إلى وداعة والغضب إلى سكينة والتبجح إلى حياء ، على كلمة طيبة ونبرة هادئة وبسمة حانية في وجه هائج غاضب )ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إننى من المسلمين ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولىُ حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (( 260) فدرجة دفع السيئة بالحسنة والسماحة التى تستعلى على دفعات الغيظ والغضب والتوازن الذى يعرف متى تكون السماحة ومتى يكون الدفع بالحسنى درجة عظيمة وعالية إلى حد أن الرسول e وهو الذى لم يغضب لنفسه قط وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد قيل له وقيل لكل داعية في شخصه )وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ( فالغضب قد ينزع ويُلقى في الروع قلة الصبر على الإساءة وحينئذ تكون الاستعاذة بالله جل وعلا هى الوقاية فَغضبَةَ الداعية الصادق يجب أن تكون لربه جل وعلا وحده حين يُستباح حلاله سبحانه وتنتهك حرماته فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضى سعة صدر وسماحة طبع ويسرًا وتيسيرًا ولكن من غير تهاون ولا تفريط في دين الله وهذا التفريق يحتاج إلى حكمة كبيرة ووعى ثاقب وبصيرة نيرة حتى لا تختلط الأوراق"(261)
الداعية الرحيم هو الذى يُصاب بالحسرة والألم حين يرى الناس يعرضون عن دين الله ويشردون عن الحق ويصدون عن سبيل الله فيدنو منهم ليأخذ بأيديهم إلى الحق والهدى والنور وفى الحديث أن النبى e قال:"من لا يرحم الناس لا يرحْمهُ الله" (262)
ولقد امتن الله جل وعلا على سيد الدعاة وإمام الأنبياء eبقوله: )فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًَّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (( 263)
وينبغى أن يقف الدعاةُ طويلًا أمام هذه الآية الكريمة"فإذا كانت خشونة الكلام وغلظة القلوب مما يجعل الناس يفرون وينفرون من أكرم الأولين والآخرين على الله تعالى وحبيب رب العالمين e - إن وجدتا فيه - فكيف بمن عداه إذا كان فظًَّا غليظ القلب؟!" (264)
وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله e قال:"يا عائشة إلا إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على ما سواه" (265)
وأسوق هنا مشهدين كريمين لرسول الله e تتألق فيهما الرحمة تألق الشمس في ضحاها!!
الأول: لشاب تجرى حرارة الشباب في عروقه جاء النبى e ليسأله شيئًا !! فهل يا ترى جاء ليسأله مالًا ؟
أو هل جاء ليسأله أن يدعو الله له ؟
أو هل جاء ليستأذنه في الجهاد في سبيل الله ؟
كلا وإنما جاء ليستأذن رسول الله e فى"الزنا"أجل في الزنا !!!
فانظروا كيف كان الرحمة المهداة والنعمة المسداة مع هذا الشاب الجرئ !!
هل سَْبهَّ ؟
هل زجره ونهره ؟
هل عنفه ووبخه وأمر به ليُحمل من الأيدى والأرجل ليلقى به بعيدًا بعيدًا ؟
لا ورب الكعبة فماذا قال نهر الرحمة وينبوع الحنان ومعين الرفق واللين؟ بأبى هو وأمى e
ها هو الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يروى لنا الحديث في مسنده عن أبى أمامة tفيقول: إن فتى شابًا أتى النبى e فقال: يا رسول الله أئذن لى بالزنا
فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه
فقال:"أدنه"
فدنا منه قريبًا فجلس
قال - e -:"أتحبه لأمك"؟
قال: لا والله جعلنى الله فداءك
قال - e -:"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"
قال - e-:"أفتحبه لابنتك"
قال: لا والله يا رسول الله جعلنى الله فداءك
قال - e-:"ولا الناس يحبونه لبناتهم"
قال - e-:"أفتحبه لأختك"؟
قال: لا والله جعلنى الله فداءك
قال - e-:"ولا الناس يحبونه لأخواتهم"
قال - e-:"أفتحبه لعمتك"؟
قال: لا والله جعلنى الله فداءك
قال - e-:"ولا الناس يحبونه لعماتهم"
قال - e-:"أفتحبه لخالتك"؟
قال: لا والله جعلنى الله فداءك
قال - e-:"ولا الناس يحبونه لخالاتهم"
قال: فوضع النبى - e- يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه"فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شئ" (266)
المشهد الثانى:
رحمته e مع سلمة بن صخر الأنصارى tكما ورد في الحديث الذى رواه أبو داود والترمذى والدارمى وغيرهم وفيه:"ظاهرت من امرأتى حتى ينسلخ شهر رمضان وأخبر النبى e أنه أصاب فيه فأمره بالكفارة"
وفى رواية: قال سلمة: فلما أصبحت غدوت على قومى فأخبرتهم خبرى وقلت لهم: انطلقوا معى إلى النبى e فأخبره بأمرى
فقالوا: لا والله لا نفعل ، نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله e مقالة يبقى علينا عارها ، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك قال: فخرجت فأتيت النبى فأخبرته خبرى فقال النبى - -"أنت بذاك"؟
فقلت: أنا بذاك (267)
فقال:"أنت بذاك"؟
فقلت: أنا بذاك
فقال:"أنت بذاك"؟
فقلت: نعم ، ها أنذا فأمض فىَّ حكم الله عز وجل فإنى صابر له
فقال النبى - e-:"اعتق رقبة"
قال - سلمة -: فضربت صفحة رقبتى بيدى وقلت: لا والذى بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها
قال - e-:"فصم شهرين"
قال: قلت يا رسول الله وهل أصابنى ما أصابنى إلا في الصيام
قال - e-:"فتصدق"
قال: فقلت والذى بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء
قال - e-:"اذهب إلى صاحب صدقة بنى زريق فقل له: فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك"
قال: فرجعت إلى قومى فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأى ووجدت عند رسول الله e السعة والبركة ، قد أمر لى بصدقتكم فادفعوها لى فدفعوها إلىَّ" (268) "
بالله ما أرحمه وما أحلمه وما ألطفه !! - e- فإن الخطأ الذى وقع فيه سلمة ليس هينا ولكنه وقع فيه لضعفه البشرى من غير عناد ولا استخفاف بحدود الله جل وعلا وجاء تائبًا نادمًا مقبلًا على الله صابرًا على ما يقيمه عليه رسول الله من حد كما في قولته الطيبة"ها أنذا فأمض في حكم الله عز وجل فإنى صابر له"هكذا كان قلب سيد الدعاة e وهكذا كانت حياته وأخلاقه مع الناس وما ضاق صدره بضعفهم البشرى، ووسعهم حلمه وعطفه ووده الرحيم الحنون الكريم لأن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة بل هى إلى الرحمة والحنان والصفح والعفو أدنى منها إلى البغض والحقد والانتقام
ولكن قد تأخذ الرحمة الحقيقية - أحيانًا - شكل القسوة وليست كذلك البتة
فالطبيب مثلًا عندما يتقدم لإجراء عملية جراحية لمريضه ، يستخدم مبضعه لتمزيق اللحم وقد يضطر أحيانًا لبتر عضو من أعضاء هذا المريض ولكن مع ذلك فهى رحمة كبيرة لأنه يبتر عضوًا قد يكون سببًا في هلاك جميع الأعضاء !!