فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 3028

ومثله قول ابن مسعود tفى صحيح مسلم:"ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (254) ومثله قول عائشة رضى الله عنها:"أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم" (255) فلا يكفى أن تعلم فقط ولكن أيضًا أن تعرف متى وأين وكيفُ يبلِّغ ما تعلم !!

* الداعية الحكيم هو الذى يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا كما فهمه سلف الأمة ثم ينطلق لدعوة الناس إلى الإسلام بشموله لنقلهم من صورة الإسلام إلى حقيقة الإسلام وذلك بدعوتهم إلى الأصول قبل الفروع وإلى الكليات قبل الجزئيات وانتبهوا جيدًا - أحبتى - فإنى لا أقول يدعو الناس إلى الأصول ويهزأ بالفروع أو يدعوهم إلى الكليات ويسخر بالجزئيات فهذه شنشنة خطيرة ومزلة كبيرة وقع فيها بعض العلماء والدعاة فالدين كلُ لا يتجزأ، بأصوله وفروعه ، وكلياته وجزئياته وفرق كبيرُ جدًا - في مراحل الدعوة- بين فقه الأولويات وبين السخرية وتحقير الفرعيات والجزئيات!!

* الداعية الحكيم هو الذى ينظر بوعى ثاقب وبصيرة نيرة إلى مآلات الأقوال والأفعال من مصالح ومفساد لأن الحماس قد يدفعنا أحيانًا إلى العجلة وعدم التأنى والصبر ولكن يجب أن تكون الأقوال والأفعال ، بل والاجتهادات الحركية المتجددة بتغير الظروف وتجدد الأحداث ، يجب أن تكون - جميعها - منبثقة من خلال منهج مضبوط وفق الأصول الشرعية والحق أن غياب هذا الأصل العظيم يُرْبكُ الحركة الإسلامية بشتى فصائلها من حين لآخر وقد يعطل مسيرها أحيانًا

"والشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهى عَدْل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجوْرِ وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العَبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عَدْل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه وهى نوره الذى به أبصر المبصرون وهداه الذى به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذى به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذى من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهى قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها ، ومن ذلك أن النبى e شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل ، فقد كان رسول الله e يرى بمكة أكبرَ المنكرات ولا يستطيع تغييرها بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته على خشية وقوع ما هو أعظم منه على عدم احتمال قريش ذلك ، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثى عهد بكفر" (256)

* وأخيرًا فإن الداعية الحكيم هو الذى يعرف متى يعدل عن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين إلى الشدة - أحيانًا - إذا انتهكت حرمة من حرمات الله ولكن بالقدر الذى ينبغى مع مراعاة الضوابط الشرعية التى ذكرناها آنفًا ولنا في رسول الله e الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة فلقد كان النبى e إذا انتهكت حرمة من حرمات الله ولكن بالقدر الذى ينبغى مع مراعاة الضوابط الشرعية التى ذكرناها آنفًا ولنا في رسول الله e الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة فلقد كان النبى e إذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب غضبًا شديدًا نعم فانظروا كيف كانت غضبته لله تعالى حينما جاءه أسامة بن زيد - t- يشفع عنده في المرأة المخزومية التى سرقت ، فتلون وجهه e وقال:"أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة"فلما كان العشى قام رسول الله e خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله فقال:"أما بعد أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإنى والذى نفسى بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (257)

وبعد فإنه من الحكمة أن نختم الحديث عنها بمشهد عملى ودرس واقعى من معلم الناس الحكمة - بأبى هو وأمى - e

ففى الحديث الذى أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه من طرق عن أبى هريرة tقال: قام أعرابى فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبىe:"دَعُوه وأهْريقُوا على بوله سَجْلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتمُ مُيسَرِّين ولم بتعثوا معسرين"ولفظ أبى دواد: ثم قال:"إن اعرابيًا دخل المسجد ورسول الله e جالس فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمنى ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فقال النبىe: لقد تحَّجرتَ واسعًا ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد فأسرع الناس إليه"وفى رواية لأحمد"فقام إليه رسول الله e فقال: إنما بنُى هذا البيت لذكر الله والصلاة وإنه لا يُبال فيه ثم دعا بسجل من ماء فأفرغه عليه قال: يقول الأعرابى بعد أن فقه: فقام النبى e إلىَّ بأبى هو وأمى فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب"وفى رواية لمسلم وغيره عن أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله e إذ جاء أعرابى فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله مَهْ مَهْ قال: قال رسول الله e:"لا تُزْرمُوُه دَعُوُه ، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله e دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القَذَر إنما هى لذكر الله عز وجل والصلة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله e قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه" (258)

بالله عليكم هل في لغة البشر ما نستطيع أن نعبر به عن هذه الحكمة والرحمة؟! كلا ألا فلندع المشهد يحدث عن جلاله وروعته بنفسه !!

ومن الحكمة إلى الرحمة فإن الغلطة أو القسوة تفسد ولا تصلح وتهدم ولا تبنى والذى لا يرى الناس إلا بعين الاحتقار والازدراء ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم والعيب لهم والذم ينبغى أن يعلم جيدًا"أنه أعجز شئ عن حفظ نفسه وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول له إلا بربه - جل وعلا - وأن قَلْبه كريشة مُلقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يمينًا وشمالًا وأنه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج، ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى ، تجرى عليها أحكام القدر ، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما أدنى إليه من شِراك نَعْلِه كشاةٍ مُلقاةٍ بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعى فلو تخلى عنها طَرْفة عين لتقاسموها أعضاءًا ينبغى أن يعلم أنه يفتقر افتقارًا تامًا إلى ربه ووليه - جل وعلا - ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته في الدنيا والآخرة" (259)

ومن ثم يستحضر فضل الله عليه في كل لحظة في كل حركة وسكنة لهو الذى اختاره وعلمه وأعانه ووفقه وأعزه بالدعوة إليه وإلى دينه لذا ينبغى أن يكون كالطبيب الذى ينظر إلى مريضه نظرة إشفاق ورحمة لا نظرة ازدراء واحتقار وإلا فهل سمعنا أن طبيبًا طرد مريضة من عيادته لأنه مريض ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت