فهرس الكتاب

الصفحة 2486 من 3028

تمخض عن مبادرة باول برنامج تنفيذي معلن يضم 47 برنامجًا تفصيليًا، تغطي 14 دولة عربية على الأقل، بميزانية إجمالية تبلغ 29 مليون دولار للعام المنصرم، ورغم ضآلة هذا المبلغ إلا أن تفصيلات البرامج تعطينا مؤشرات لاتجاهات أمريكا واهتماماتها في المنطقة، إذ يتضح أن هناك تركيزًا واضحًا ـ على المستوى الجغرافي ـ على اليمن والمغرب والجزائر ودول الخليج ـ خاصة البحرين وقطر ـ. أما على المستوى الموضوعي: فإن التعليم، والسياسة والانتخابات والبرلمانات، والاقتصاد، والمرأة والأسرة تقف على رأس سلم أولويات هذه المبادرة، ثم يأتي بعد ذلك: القضاء والقانون، والإعلام والاتصال، والاطلاع على الغرب، وتنمية المجتمع المدني والقطاع الأهلي.

ولكن الذي يهمنا هنا أن الجانب غير المذكور في هذه المبادرة ـ أو المكمل لها على أقل تقدير ـ كان هو (إصلاح) أو (تجديد) الخطاب الديني، ومما يومئ بذلك أن إعلان هذه المبادرة كان بمثابة إشارة البدء لانطلاق حملة كبرى اشتملت على نشاط إعلامي محموم للترويج لما أسموه (تجديد الخطاب الديني) ، صاحبه برامج ومؤتمرات ودورات لتنفيذ المخطط المشار إليه، وقبل أن نستعرض بعض جوانب لهذا النشاط وهذه البرامج نشير إلى بعض الملامح التي لوحظت على هذه الحملة، وهي في نظري ما يأتي:

? أن هذه الدعوة ظهرت في البلاد التي يقوى فيها النفوذ الأمريكي، مع وجود نشاط ملحوظ في البلدان التي تعد تاريخيًا مرجعيات العالم الإسلامي.

? وأنها جاءت اتساقًا مع خطة تطوير مناهج التعليم التي أملتها وأوعزت بها قوى خارجية معينة، مستغلة أحداثًا وظروفًا معروفة، فجاءت هذه الحملة استكمالًا لمخطط إعادة تشكيل العقلية المسلمة.

? الالتباس المتعمد في هذه الدعوة، فعلى عادة العلمانيين والتغريبيين في الإيهام والغموض عندما يتعلق الأمر بخطوة يصعب على الجماهير هضمها، جاءت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، فكلمة (الخطاب) تحتمل أن يكون المقصود بها (مضمون) الخطاب ومحتواه، وتحتمل أن يكون المقصود بها (شكل) الخطاب بما يتضمنه هذا الشكل من أساليب ووسائل عرض المضمون.

ولا شك أن مقصود مروجي هذه الدعوة هو تجديد مضمون الخطاب الديني، أي (تجديد) القيم والتصورات والمبادئ التي يحتويها هذا الخطاب، ولا يخفى على القارئ ما تتضمنه كلمة (تجديد) من معانٍ تشمل كون هذه القيم والمبادئ والتصورات أصبحت بالية ولا تصلح لهذا العصر، ففي معرض إيضاحه للمقصود بكلمة (الخطاب) يذكر الكاتب أحمد عبد المعطي حجازي أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم الذي نرجع إليه في كل أمر من أمور حياتنا، أو أن هذا ما ينبغي أن نفعله، فنقرأ، ونفهم، نناقش، ونجرب، نحلل، ونقارن لنعرف الأسباب، ونتوقع النتائج، ونفسر ما يحدث في الطبيعة والنفس، والجسم، والمجتمع.

نعرف الآن مثلًا أن الزلزال يقع نتيجة لتصدع طبقات الأرض وتحركها، وليس لأن المدن شريرة أو لأن الآلهة ثائرة غضبى، ونعرف أن الجنون مرض يصيب العقل وله أسباب مختلفة وصور شتى وطرق في العلاج تتعدد بتعدد أسبابه وأنواعه، وليس حلولًا لجن أو شيطان في جسد المريض كما كان يعتقد الناس من قبل، وكما يعتقد كثيرون منهم حتى اليوم، وهذا هو الخطاب الذي يتفق مع روح العصر، لأنه يتفق مع العلم، أي مع العقل والتجربة»، «ونحن إذن أمام مصدرين للمعرفة: العقل الذي نفسر به الظواهر، ونتتبع التحولات، وننتقل من السبب إلى النتيجة، يبدو لنا العالم مفهومًا، ونشعر بقدرتنا على التحكم فيه والسيطرة عليه، والنص الذي يعتقد النصوصيون الحرفيون فئران الكتب وحفارو القبور أنه علم سابق على كل علم وأن كل معرفة جديدة صادرة عنه ومتضمنة فيه، فالأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف، ولا جديد تحت الشمس !» (الأهرام المصرية 23/7/2003م) .

ولكن غموض هذا العنوان (تجديد الخطاب الديني) لهذه الدعوة (هدم القيم والثوابت والتصورات الإسلامية واستبدالها) أفادهم ـ فوق التعمية على مقصدهم الحقيقي ـ تورط بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية من علماء أو دعاة في الترويج لها ظنًا منهم أن المقصود هو تجديد الوسائل والأساليب، وهذا التورط أعطى غطاءً مناسبًا لأصحاب الدعوة الأصليين من متبجحي العلمانيين، حتى وإن همش فيما بعد هؤلاء العلماء والدعاة.

? تشابه مفردات هذا الخطاب عند الدعاة (البروتستانت) مع القضايا التي أثارها العلمانيون، التي تتفق بدورها مع أهداف مبادرة باول، وقد تمثلت هذه المفردات في:

1 -إعلاء قيمة العقل والمصلحة ـ بمعناهما الوضعي والمادي ـ على النص الشرعي.

2 -تغليب المادي والمشاهد على العاطفي والغيبي.

3 -مسايرة الأحداث والخضوع لها باسم التواكب مع العصر.

4 -غلبة الخطاب الدفاعي والانهزامي بدعوى دفع التهم ـ وخاصة الإرهاب وهضم حقوق الإنسان ـ عن الإسلام، مع التركيز في هذا الخطاب على تناول قضايا المرأة والأسرة، والمرتد وحرية العقيدة.

5 -التأكيد على أهمية الديمقراطية، والمشاركة الشعبية، وإظهار إشراك الفئات المهمشة، وإبراز مكانتها في الإسلام.

6 - (تلطيف) الموقف من الآخر، بإعادة تشكيل بعض المفاهيم ذات العلاقة به (بدءًا من التكفير، ومرورًا بالولاء والبراء، ووصولًا إلى الجهاد) ، مع التأكيد على ضرورة التواصل مع هذا الآخر، وخاصة الغرب.

7 -تحويل الخطاب الديني الإسلامي (الدعوة الإسلامية) إلى مجرد إحدى مفردات وسائل دعم سياسات الدولة المحلية ومواقفها الخارجية.

? تشابه بعض الأساليب المتبعة في نشاطات تجديد الخطاب الديني مع الأساليب السياسية الأمريكية في تحويل الاتجاهات والميول، وذلك عن طريق المشاركة في أنشطة ودورات تعقد في أمريكا، والعمل على تذويب الفوارق النفسية والفكرية بين أصحاب الاتجاهات المختلفة ـ خاصة العقائدية ـ بالمخالطة والمعايشة اليومية فيما بينهم:

فعلى سبيل المثال: كان أول برنامج ينفذ برعاية مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط برنامجًا بعنوان (النساء كقادة سياسيين: الانتخابات الأمريكية والحملات السياسية) ، وقد جلب البرنامج وفدًا من 55 زعيمة سياسية عربية، ما بين مسؤولات منتخبات ومعينات، ومرشحات لمناصب، وناشطات في الدفاع عن حقوق المرأة، وقادة مجتمعات مدنية، وصحفيات.. إلى الولايات المتحدة؛ لتوفير نظرة متعمقة إلى الانتخابات الأمريكية على المستوى الأساسي، وعرض البرنامج واجهات تنظيمية من الحملات الانتخابية، وفحص أهمية وأساليب تجنيد متطوعين للحملة، واستكشف استراتيجيات فعالة للعلاقات العامة والإعلامية، بالإضافة إلى حضور هذه الفعاليات السياسية النسائية مؤتمرات على مستوى رفيع في واشنطن وتلقيهن تدريبًا على مهارات في الحملات السياسية.

ولعلنا لا ننسى أيضًا أسلوب التعايش اليومي بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي أثناء مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي السابق كلينتون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت