فهرس الكتاب

الصفحة 2487 من 3028

وفي المقابل: يتضمن مشروع خطة تطوير الخطاب الديني في مصر والدول العربية دورات تدريبية مكثفة في القاهرة وواشنطن.. حيث من المقرر أن يلتحق بدورات واشنطن ما بين 500 إلى 600 من الدعاة، وذلك بعد الانتهاء من الدورات التدريبية في مصر.. وفي هذا الإطار كانت وزارة الأوقاف قد انتهت من دورة أخرى لعدد من الدعاة بالاشتراك مع الهيئة الإنجيلية بالقاهرة.. كانت مدتها أكثر من 3 أشهر، حيث تم اختيار الدعاة بدقة متناهية للإقامة في أحد فنادق القاهرة بمشاركة عدد مماثل من القساوسة، وكان نظام الدورة يعتمد على ورش عمل بين الأئمة والقساوسة لإعداد أبحاث علمية في قضايا شتى ثم مناقشتها مع الخبراء والمفكرين الليبراليين؛ وذلك بهدف كسر الحاجز الديني وتغيير الفكرة الذهنية عن الآخر من خلال المشاركة بين القس والخطيب، ومن ثم فإن النتيجة من هذه المشاركة ستكون في صالح الإدارة الأمريكية.. على اعتبار أنها الموجه الرئيسي لهذه الأفكار.

ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية فإن مثل هذه الدورات، ومن خلال مشاركة عدد من رجال الدين الكبار الذين يرفضون الإرهاب ولديهم تفسير عقلاني للدين، تسعى لترسيخ مفردات الخطاب الديني الجديد وليس موضوعاته فقط ـ خاصة ما ورد في القرآن أو السنة ـ؛ لأنه وفق رؤيتهم فإن هذه المفردات هي التي تشكل السلوك العام والتفصيلي الذي يلتزم به الأفراد.. (مصطفى سليمان، جريدة الأسبوع، 16/6/2003م) .

وتشابه هذه الأساليب لم يأت إلا نتيجة تطبيق دراسات وأبحاث قامت بها مراكز متخصصة؛ بغية الوصول إلى أفضل النتائج حسب الأهداف التي رسموها، وهذا ما يوضحه ريتشارد إيتش. سولومون، رئيس المعهد الأمريكي للسلام في مقاله المعنون بـ (المنهج التطبيقي في حل النزاعات) ، حيث يقول: «.. وفي حين نقارب رسالتنا بنفس بعض الطرق التي تتبعها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية وغير الحكومية - عبر الأبحاث، والدراسات، وتقديم المنح، والمناسبات العامة، والنشر ـ إلا أن لدينا أيضًا برامج عملية أكثر تطبيقيةً من تلك التي تقوم بها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية. يحلو لنا ـ كما قلت في البداية ـ وصف أنفسنا بمؤسسة فكر وفعل؛ إذن: ما هو جزء (الفعل) من هذه المعادلة؟:

إنه ـ إلى حد كبير ـ التدريب والتعليم، إننا منخرطون في نشاط واسع لتدريب صانعي السلام اليوم... هناك مثال حديث عن عمل البرنامج يتمثل في مُقرر تعليمي متفاعل مُدته أسبوعان، قوامه بناء الثقة وتعزيز العمل ضمن فريق عمل أنشئ لما يقرب من 30 قياديًا شابًا في منظمات غير حكومية من صربيا وكوسوفو، وللبرنامج أربعة مكوّنات: مقرر تعليمي مدته نهار كامل يتكون من تحديات متنوعة تُجرى في الهواء الطلق، وتتطلب تخطيطًا مشتركًا وعملًا جماعيًا، ثم هناك يوم ثان للمناقشات والتمارين حول المفاوضات والوساطة، وثلاثة أيام تجري خلالها محاكاة مكثفة بواسطة الكومبيوتر تتعلق بالمفاوضات وصنع السياسة، ويوم حوار مع صانعي السياسة في واشنطن.

خلال المحاكاة، يُحَثّ المشاركون في بيئة ضاغطة جدًا، على معالجة مشاكل بلد وهمي يصارع تحديات حقبة ما بعد النزاع، كالتوتر الإثني، والبطالة الواسعة، وتدهور البيئة، ووباء الإيدز...

وتعمل مبادرة الدين وصنع السلام التابعة لمعهد السلام على تعزيز قدرات المجتمعات القائمة على الإيمان لكي تصبح قوة من أجل السلام، وتنظم المبادرة حوارات ما بين الأديان وورش عمل في البلقان، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة.

? ويلاحظ أن هذه الدعوة (التجديدية) التي يلوكها بعض متبجحي العلمانيين لا تنتسب إلى الإسلام وأصوله، بل تدعو إلى طرحه كلية وهدم أسسه، بخلاف بعض الدعوات السابقة التي كانت تحاول أن تمد نسبها إلى أصول شرعية، كتأويل أهل البدع الذي كان وفق أسس تنتمي إلى المرجعية الإسلامية وإن كانت فاسدة، أو كاجتهادات المدرسة الإصلاحية في مطلع القرن الميلادي السابق.

? كما أن من الملاحظ ظهور نشاط محموم في البلاد التي ظهرت فيها هذه الدعوة لمطاردة ومحاصرة من يجددون في أساليب (الخطاب الديني) ، مقابل إفساح المجال لمن (يجتهدون) في إعادة تشكيل مضامين هذا الخطاب.

? ثم تتوالى السهام:

أما أهم الأحداث المرتبطة بحملة (تجديد الخطاب الديني) فيمكن رصدها فيما يأتي، وعلى القارئ أن يقارن بين هذه الأحداث والمخطط المذكور في أول المقال وملامح الحملة المذكرة سابقًا، كما لا يفوته أن الأحداث المذكورة هي مما أمكن معرفته وأتيح ذكره:

? أعلنت اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري عن وضع استراتيجية لتطوير الخطاب الديني من خلال دراسة المشكلات التي تواجه هذا الخطاب وتأهيل الدعاة وتطوير المناهج في المعاهد الدينية والكليات الشرعية حتى تواكب متطلبات العصر. ومن ناحية أخرى شكل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لجنة لوضع أسس وضوابط معاصرة للخطاب الديني يلتزم بها الدعاة داخل مصر وخارجها (البيان الإماراتية، 1/3/2001م) .

? وفي صباح الاثنين 5/4/2003م عقد مجلس الشعب المصري جلسة لمناقشة تطوير الخطاب الديني.

? وفي يوم الخميس 24/4/2003م أكد وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق ـ في لقائه مع أكثر من 1600 إمام وداعية في محافظة قنا جنوب مصر ـ أهمية تجديد الخطاب الديني، واعتبره حقيقة أصبحت ملحة في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم حاليًا، وأمام حملات التشويه المستمرة على الإسلام، رافضًا ما يتردد حول وجود ضغوط خارجية لتحقيق ذلك الهدف.

? وفي يوم 11/6/2003م انتهت أول دورة راقية للأئمة والخطباء في المساجد ـ بحسب وصف وزارة الأوقاف المصرية ـ شارك فيها نحو 50 إمامًا وخطيبًا معظمهم من حملة الماجستير والدكتوراه؛ ليكونوا نواة لجيل جديد من الأئمة المتميزين المتحدثين بلغة الخطاب الديني الجديد، وقد استمرت الدورة 3 أشهر في الإسكندرية بنظام الإعاشة الكاملة للمتدربين.

? وفي يوم الخميس 3/7/2003م، عقد بالقاهرة مؤتمر (نحو خطاب ثقافي جديد) ، شارك فيه 150مثقفًا ومفكرًا عربيًا، وقد طالب المثقفون المجتمعون بـ «أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول (...) الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية» ، واعتبروا أن ذلك «يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطابًا دينيًا متطورًا منفتحًا على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين» ، وطالبوا «الدول العربية أن تأخذ موقفًا محايدًا في صراع الأفكار والاجتهادات دون توظيف ديني للسياسة أو توظيف سياسي للدين!!» .

وقد برز في مناقشات المؤتمر المطالبة بالتصدي للمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية؛ حتى يمكن إعادة صياغة الخطاب الثقافي ومن ثم المشروع الثقافي المستقبلي، وأهم من عبر عن هذا الاتجاه حلمي شعراوي الذي طالب صراحة بإلغاء مؤسسة الأزهر.

كما أجمل وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق سلبيات الخطاب الديني المعاصر بـ: «انفصال عن الواقع، تركيز على الشكليات، تركيز على أمور الآخرة وإغفال أمور الدنيا، التخويف والترهيب، النظرة الدونية إلى المرأة، الانتقاد الداحض لحضارة الغرب مع أننا من صنّاعها، اعتبار التضامن الإسلامي كأنه رفض للآخر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت