يقول: «قد شاع في الناس ان مكتبة الاسكندرية التي كانت تضم ذخائر اكثر من تسعة قرون علمية سجر بها الناس التنور لتسخين الماء للحمامات» .
وقد قام هتلر، في عصرنا هذا، مستخدما كل وسيلة، باتلاف الذخائر العلمية التي تعارض فكرته وابادتها وقد جعل حدوث المطابع نجاح هذه العملية شبه مستحيل. وقد كان مصطفى كمال، معاصر هتلر، اكثر توفيقا وذكاء في ايثارالطريقة التي تضمن نجاحه، كان دكتاتور تركيا يريد ان يحرر مواطنيه وعقلياتهم من اجواء المدنية الطورانية التي ورثوها،ودرجوا عليها، ويصوغهم بقوة في صياغة الحضارة الغربية، وقد اقتصر على تحويل حروف الهجاء مكان احراق الكتب، وقد استغنى بذلك عن تقليد امبراطور الصين او الخليفة العربي، وقد اصبحت الذخائر الكلاسيكية كالكتب الفارسية والعربية والتركية لا تتناولها ايديهم واصبحت اجنبية لا تبلغها مداركهم، واصبح احراق الكتب عملا لا لزوم له،لان حروف الهجاء قد اءلغيت، وقد كانت مفتاح هذا النتاج العلمي والافادة منه، وبذلك ستظل هذه المشاعر مقفلة في الدواليب ينسج عليها العنكبوت ولا يطمح في قراءتها الا بعض الشيوخ المسنين من العلماء».
تهديم الفصحى وعمد دعاة الانسلاخ الحضاري الى لغة القرآن، بعد ذلك، فحاولوا ان يحجبوها عن حياتنا اليومية، في مجال الصحافة والادب والاذاعة والكتابة والقصة والخطابة، وعملوا على تحجيم مساحة لغة القرآن (الفصحى) ودورها في حياتناواستبدالها باللغة العامية.
وليس من باءس بعد ذلك - يقول هؤلاء - على صلة الناس بكتاب اللّه وحديث رسول اللّه ومصادر الثقافة والتشريع الاسلامي، فان بامكان العرب ان يحتفظوا بلغتهم الفصحى لهذا المجال الخاص المحدود، وبقدر ما يؤدي هذه الخدمة المحدودة.
يقول طه حسين في ذلك، وهو من الرواد الاوائل لهذه الدعوة القائلة بالغاء لغة القرآن من حياتنا اليومية والثقافية:
«وفي الارض اءمم متدينة، كما يقولون، وليست اءقل منا ايثارا لدينها، ولا احتفاظا به، ولا حرصا عليه، ولكنها تقبل، في غيرمشقة ولا جهد، ان تكون لها لغتها الطبيعية الماءلوفة التي تفكر بها، وتصطنعها لتاءدية اغراضها.
ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي تقرا بها كتبها المقدسة، تؤدي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلا هي اللغة الدينية لفريق من النصارى، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع، وبين المسلمين انفسهم امم لا تتكلم العربية، ولا تفهمها، ولا تتخذها اداة للفهم والتفاهم،ولغتها الدينية هي اللغة العربية، ومن المحقق انها ليست اقل منا ايمانا بالاسلام، واكبارا وذيادا عنه، وحرصا عليه».
مؤامرة حجب الامة عن تراثها وراء القضاء على الفصحى ولا يتمثل الامر، كما يقول هؤلاء، بالحرص على تيسير الحياة للناس، وان الفصحى هي العقبة في طريق هذا التيسير.
فقدبقيت الفصحى اداة التفاهم والتفكير ووسيلة المسلمين جميعا - وليس العرب فقط - في حياتهم العقلية والادبية خلال هذه القرون الاربعة عشر، وظلت اللغة العربية الفصحى تطاوع الشعر والنثر من القديم والجديد، وتطاوع العلم والدين في هذه العصور الطويلة، وتستجيب لكل الوان الادب من الجد والهزل والحماس والغزل والرثاء، ولم تتخلف اللغة العربية، في وقت من الاوقات، بما فيها من مرونة وطواعية، عن الاستجابة لحاجات الانسان.
لا يكمن الامر اذا في عجز الفصحى، ولا في الحرص على تيسير اللغة العربية للعرب، وليست اللهجات العامية اطوع للانسان العربي المعاصر في حياته العقلية والادبية والسياسية والمعاشية من الفصحى، ان لم يكن العكس، وانما الامركله يكمن في محاولة حجب «الفصحى» عن حياة العرب العقلية والادبية والسياسية واستبدالها بالعامية لتحجب هذه الامة عن الاتصال المباشر بمصادر التشريع والفكر والثقافة الاسلامية، وتنقطع عن التاءريخ والتراث والماضي والحضارة،وتحرم من الارتواء المباشر من القرآن والحديث، ولكي يسهل بعد ذلك دفع هذه الامة الى احضان الشرق والغرب اوارجاعها الى الحضارة الجاهلية الاولى: (الحضارة الفرعونية) و (المجوسية) و (الاشورية) و (الاكدية) ... وغيرها.
الدراسات الاكاديمية للهجات العامية وقد استخدمت، لتحقيق هذه الغاية، مجامع اللغة العربية، وكراسي الدراسات في الجامعة، وكبريات المجلات العلمية والادبية في العالم العربي الاسلامي. يقول احمد حسن الزيات صاحب مجلتي الرسالة والرواية:
«ان المحافظين من شيوخ الادب قد سيطروا عليه - مجمع اللغة العربية في القاهرة - في اول نشاءته، ثم انتهى زمامه الى الكتاب والصحفيين الذين نبهوا المجمع الى اهمية العامية والى خطورة جمود اللغة بتخلفها عن مسايرة الزمن» .
«وقد نجح اصحاب هذه الدعوات، بوسائلهم المختلفة، في ادخال دراسة ما يسمونه «الادب الشعبي» في كل اقسام اللغة العربية بكليات الاداب، وفي كلية دار العلوم، وفي كلية اللغة العربية بالازهر، بل نجحوا في انشاء كرسي لاساتذة هذه المادة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، واصبحت دار العلوم مركز الثقل في هذه الدعوة بعد ان اجتمع فيهااكبر عدد من المختصين في هذه الدراسة، وانبرى عدد من الكتاب للكتابة بالعامية، وبشكل خاص القصة وبشكل اخص الحوار فيها، ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل في قصته المعروفة «زينب» وغيره من الكتاب.
والف القاضي ولمور كتاب «لغة القاهرة» ووضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والادب، كما اقترح كتابتهابالحروف اللاتينية، وتنبيه الناس للكتابة بها، واشادت به «المقتطف» في باب التفريط والابتعاد، وهاجمتها الصحف مشيرة الى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد الا الى محاربة الاسلام في لغته» .
وضع اليد على المدارس وعمدوا الى الدراسة في مختلف مستوياتها، فوضعوا ايديهم على المدارس، واسسوا مدارس كثيرة في العالم الاسلامي، ووجهوا هذه المدارس باتجاه استئصال الجيل الجديد عن ماضيه وتراثه وتعويمه على السطح.
وتولى التبشير المسيحي حصة الاسد من هذه المهمة، الا انه لم يكن الهدف من ذلك توجيه الجيل الى المسيحية، وانماكان الهدف استئصال الجيل عن اصوله وجذوره الحضارية.
وقد شكى المبشرون، في عدد من المؤتمرات التبشيرية، من اخفاقهم في تحويل المسلمين الى النصرانية: «فقام القس صموئيل زويمر يقول، في نهاية هذا المؤتمر، ان الخطباء قد اخطاءوا ايما خطاء، وانه ليس الهدف الحقيقي للتبشير هوادخال المسلمين في النصرانية، وانما الهدف هو تحويل المسلمين من التمسك بدينهم، وفي ذلك نجحنا نجاحا باهراعن طريق مدارسنا الخاصة وعن طريق المدارس الحكومية التي تتبع مناهجن» .
وقد استطاع الغزاة، في هذه المرحلة ان يضعوا ايديهم على المدارس ومعاهد التثقيف في بلادنا بمساحة واسعة جدا.
يقول الجنرال «بيير كيللر» عن المعاهد الفرنسية في لبنان:
«فالتربية الوطنية كانت بكاملها تقريبا في ايدينا بداية حرب عامي (1914- 1918) .
وقد ادرك الغزاة الغربيون ان هذه المدارس والكليات والمعاهد هي افضل السبل لقطع هذا الجيل عن تراثه، وقطع التراث عن هذا الجيل ثم اشباعه بالفكر الغربي والحضارة الاوروبية.
وقد عبر اللورد لويد، حين كان مندوبا ساميا لبريطانيا في مصر، عن هذه الاهداف في خطبته التي القاها في كلية فيكتوريا الاسكندرية 1926حيث قال: