فهرس الكتاب

الصفحة 2470 من 3028

«علينا ان نقوي كل ما لدينا من وسائل التفاهم المتبادل بين البريطانيين والمصريين، وقد كان هذا التفاهم المتبادل غاية«لورد كرومر» من تاءسيس كلية فكتوريا بوجه عام، وليس من وسيلة لتوطيد هذه الرابطة افضل من كلية تعليم الشبان من مختلف الاجناس».

ثم يقول عن الطلبة: «وهؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ» .

لا نريد ان نطيل الوقوف عند هذه النقطة، وبامكان القارىء ان يرجع الى كتب مثل: «الغارة على العالم الاسلامي» و «الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر» للدكتور محمد محمد حسين، و «التبشير والاستعمار» للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ، ليعرف ابعاد هذه المؤامرة الكبرى على ثقافة هذا الجيل وفكره.

وبعد، فهذه نبذة قصيرة عن المحاولات الطويلة والكثيرة التي يقوم بها دعاة التغريب والغزاة الذين دخلوا بلادنا لعزل هذا الجيل عن حضارته وتراثه وماضيه.

نتائج وافرازات المؤامرة الكبرى تتجه هذه المحاولات جميعا باتجاه قضية واحدة، هي قطع الجسور الحضارية التي تربط اجيال هذه الامة بعضهاببعضها الاخر، وتربطها جميعا بالينابيع الاولى لهذا الدين. وهذه الجسور هي التي تنقل المواريث الحضارية على الاخلاق والفكر من جيل الى جيل، فاذا انقطعت هذه الجسور لا تبقى هناك صلة في الفكر والاخلاق والثقافة بين هذه الاجيال.

وقد عمد الغزاة ودعاة التغريب الى هذه الجسور، واحد بعد آخر، فهدموها او استولوا عليها، فعمدوا الى الخط العربي،وحاولوا تغييره الى الحروف اللاتينية، وعمدوا الى الفصحى وعملوا على تغييرها الى اللهجات العامية، وعمدوا الى المدارس وحاولوا ان يضعوا ايديهم عليها وعلى مناهجها واساتذتها وكتبها بشكل كامل، وعمدوا الى احتواء المساجدوالحوزات والجامعات الاسلامية، وحاولوا ان يضعوا ايديهم عليها، حتى عاد انتخاب شيخ الازهر - وهو شيخ الاسلام- لا يتم الا بقرار من رئيس الجمهورية.

وعمدوا الى الاسرة والبيت فسعوا لافسادها، وبعث الميوعة والتحلل فيها، وتعطيل دورها الاساس في تصدير القيم والمواريث الحضارية من جيل الى جيل، وهكذا سعى دعاة التغريب والغزاة الى انسلاخ هذا الجيل عن تراثه وحضارته وماضيه، بشكل كامل، وتعويمه على السطح، وبتره عن كل اصوله الحضارية.

بعث الحضارات الجاهلية من تحت الانقاض وبعد، فليس السبب في ذلك كله الصراع بين القديم والجديد، كما يحب دعاة التجديد والتغريب ان يفسروا الامور.وانما السر في هذه المحاولات والاعمال جميعا حجب هذا الجيل عن الاسلام بالخصوص، وليس عن القديم والماضي بشكل عام.

والدليل على ذلك ان دعاة «الحداثة» و «التجديد» هؤلاء بالذات، يمدون نوعا آخر من الجسور الحضارية لربط هذاالجيل، عبر الاسلام العظيم، بالجاهليات الاولى، في مصر، وفي العراق، وفي ايران، وفي تركيا، وفي الشام، وفي سائراجزاء العالم الاسلامي.

ولقد كان بالامكان ان نفهم ان طبيعة هذا الصراع بين القديم والجديد لولا اننا نلتقي عبر دعاة التجديد والتغريب والحداثة بالحضارات الفرعونية في مصر والساسان في ايران والبابلية في العراق والطورانية في تركيا...الخ.

ونرى، بشكل واضح، ان هؤلاء يسعون سعيا حثيثا لبعث الحضارة الفرعونية، والهخامنشية، والساسانية، والبابلية،والطورانية في حياة هذه الامة من جديد، بكل الوسائل الممكنة وفي كل الميادين، في الادب شعرا ونثرا، وفي النحت والقصة والتمثيل والسينما والصحافة والكتب المدرسية وفي الازياء والفن المعماري وفي تسمية الساحات والميادين والشوارع والمحلات والحدائق. وقد استخدم دعاة الحداثة كل الوسائل الممكنة لبعث هذه الحضارات الجاهلية في حياة الامة من جديد.

دور الفولكلور في احياء الحضارات الجاهلية ومن هذه الوسائل «الفلولكلور» وما ادراك ما الفولكلور؟ وما دور الفولكلور في احياء العلاقات والتقاليد والطقوس والاساطير والخرافات التاءريخية الجاهلية وابرازها؟ وحتى الرقص والغناء والازياء والاهازيج مما كان قائما في المجتمعات والامم الجاهلية قبل عشرات القرون، واكل عليها الزمان وشرب، وقد توسع عندنا هذا النمط من الدراسات التاءريخية للفنون والعادات والتقاليد والطقوس الشعبية (الفولكلور) الى حد الاسفاف والجنون، حتى اصبح اكثر من الهم على القلب.

وولع المسؤولون، عندنا، بشكل ملحوظ بابراز الفراعنة والملوك الجاهليين في المجتمع الاسلامي في الميادين والساحات والشوارع والمطاعم والكازينوهات ودور السينما وفي محطات الوقود والمعامل، حتى اصبح من الامورالماءلوفة والعادية جدا ان تلتقي بشارع «رمسيس» ، ومطعم «كوروش» ، وسجائر «حمورابي» وامثال ذلك في حين اختفى من مجتمعاتنا اسماء «ابي ذر» و «سلمان الفارسي» و «صهيب الرومي» و «عمار بن ياسر» و «مصعب بن عمير» وغيرهم.

يقول جب في كتابه «وجهة الاسلام» : «كان من اهم مظاهر فرنجة العالم الاسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة، التي يشغلها المسلمون الان، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصروفي اندونيسيا وفي العراق وفي ايران» .

ومن الادوات التي استعملها الغزاة، في بعث الحضارات الجاهلية من تحت الانقاض، ومن تحت طبقات الارض الى حياة الامة من جديد: الاثار.

دور «الاثار» في بعث الحضارات الجاهلية وقد اهتم دعاة التجديد والتغريب والغزاة بمساءلة الاثار بشكل ملفت للنظر، وبذلت الدول عندنا بالتعاون مع الهيئات الدولية واليونسكو مبالغ طائلة لاقامة المتاحف، وبعث الاثار القديمة للحياة الجاهلية في حلة قشيبة. وكما ان الاهتمام بالفولكلور واحياء الفنون والعادات الجاهلية لم يكن شيئا طبيعيا في حياتنا، كذلك الاهتمام البالغ بالاثار «بهذه الحالة من المبالغة» وصرف المبالغ الطائلة في تجميع الاثار وعرضها لم يكن شيئا طبيعيا ابدا، وعندما نتابع خيوط هذه الاعمال ننتهي الى جذور صهيونية صليبية. يقول محمد الغزال:

«وصحب هذه الدعوة نشاط البعوث الاجنبية في التنقيب عن الاثار والدعاية لما يكتشف منها: فملاوا الدنيا كلاما عن قبر «توت عنخ آمون» الذي اكتشفه اللورد «كارنافون» وقتذاك، وعرض الثري الامريكي «روكفلر» تبرعه بعشرة ملايين من الدولارات لانشاء متحف الاثار الفرعونية، يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، و «روكفلر» كما هومعروف، يهودي الاصل وهو من الصهيونيين، وسخاؤه بهذا المبلغ الضخم يدل على ما في هذا الاتجاه من مصلحة ظاهرة للصهيونية».

وفي العراق عقدت الدولة مؤتمر «بابل وآشور» سنة 1991 ودعت لحضوره علماء الاثار من مختلف دول العالم، وقامت بمشروع احياء مدينة «آشور» في الموصل ومدينة «بابل» في الحلة. وقد كلف احياء مدينة «بابل» ميزانية الدولة 12 مليون دينار، كما غيرت اسماء المدن الى اسماء تعود لحضارات جاهلية بائدة كالموصل والحلة الى «نينوى» و «بابل» .

وفي ايران، توجه الشاه باتجاه قطع علاقة الامة بالاسلام، وربطها بالحاضرة المجوسية الهخامنشية والساسانية، ومن الاعمال التي قام بها، بهذا الصدد، الغاء التاءريخ الهجري واستبداله بالتاءريخ الشاهنشاهي وحول السنة من 1320 الهجرية الشمسية، وهي السنة التي تولى فيها الحكم في ايران، الى سنة 2500 شمسية شاهنشاهية، وقد اقر البرلمان ومجلس الاعيان ذلك في اجتماع مشترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت