فهرس الكتاب

الصفحة 2468 من 3028

اما العقيدة الاسلامية فلم تزعزعها حتى الان في تركيا هذه السياسة اللادينية، ولا يزال الشعب التركي شديد الاعتصام بعروة الدين الوثقى، تدل على ذلك المظاهر الدينية في استانبول وغيرها، مما لم يخف على الافرنج الذين اشاروا اليه في جرائدهم، ولن يكون خطر على الاسلام من الشعب التركي الا اذ استمر الحكم الحالي مدة طويلة ونشاءت الافواج الجديدة على ما هي عليه من فقد التعليم الديني».

محاولة تغيير الحرف العربي في مصر وايران وقام آخرون، من الحكام والكتاب، بمحاولات كثيرة اءخرى في هذه المرحلة نفسها للقضاء على الخط العربي فيءجزاءالعالم الاسلامي الا انها باءت بالفشل جميعا. ففي ايران نهض رضا خان بهلوي، الدكتاتور الايراني المعروف، بالمهمة نفسها، واستخدم مجموعة من الكتاب لاستبدال الحرف العربي المكتوب بالحرف اللاتيني الا انه فشل في ذلك. وفي مصر تبنى جمع من الكتاب والصحف هذا المشروع، وكانت مجلة «المقتطف» المصرية تحمل هذه الدعوة على صفحاتها. يقول د. محمد محمد حسين في كتابه «الاتجاهات الوطنية» :

«تقدم عضو من ابرز اعضاء المجمع العلمي المصري، وهو عبد العزيز فهمي، ثالث الثلاثة الذين بني عليهم - الوفدالمصري - في سنة 1943 م باقتراح الكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات،امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، واءرسل الى الهيئات العلمية المختلفة» .

اتاتورك والدعوة الى التغريب نقدم، في ما يلي، بعض المقاطع من كتاب «اتاتورك» لعرفان اوركا الذي الفه عن اخلاص واعجاب بشخصية كمال،وهذه المقاطع من الكتاب تصوره تصورا لا مبالغة فيه ولا تشويه.

يقول اوركا:

«لقد اقتنع اتاتورك باءن كفاحه يجب ان يتوجه الى الدين فانه منافسه الاكبر، وكان يعتقد من صغره انه لا حاجة الى اللّه،انه اسم غامض، خداع، مجرد من كل حقيقة كما كان يقول اتاتورك، وكان لا يؤمن الا بالمشاهد المحسوسة، وكان يرى ان الاسلام انما ظل عاملا هداما في الماضي، وانه قد جنى على تركيا جناية كبيرة، والحق بها خسائر فادحة. وكان يرى ان الناس اصبحوا فريسة الاوهام والجمود بتاءثير الاسلام، وكان يبغض الرجل الذي يخضع للقضاء والقدر، ويقول:«هكذا اراد اللّه» ، و «هذا الذي قدر لي» . ويعتقد انه لا وجود للاله، والانسان يصنع قدره. وكان يقول في اكثر الاحيان: ان قوة العقل وقوة الارادة تتغلبان على قوة الاله، ولكن يقول المتدينون: «اللّه يمهل ولا يهمل» ، وكان يقول الم يطلع هؤلاءالمتدينون على الطاقة الكهربائية التي تشتغل بسرعة؟ وكان مصمما على سن قانون لتحريم الدين في تركيا. ولو احتاج ذلك الى استخدام القوة والى الخدعة والتضليل».

ويقول في موضع آخر: «ولم يكن لديه معنى لمبادىء علم النفس وللنظريات والفلسفات، لذلك لم يمنعه شيء عن ان يعتبر الدين غير لازم لتركيا، شيئا لا حاجة اليه ولكن الذي اعطاه للامة التركية عوضا عن الدين هو الاله الجديد اي الحضارة الغربية» .

ويقول في موضع آخر: «وكان يبغض الاسلام والعقيدة الصحيحة الراسخة بغضا شديدا. وكان يقول: يجب ان نكون رجالا من كل ناحية، قد قاسينا خطوبا ومصائب عظيمة، وكان السبب في ذلك اننا عشنا في عزلة عن الحياة، ولم نحاول معرفة اتجاه العالم، ويجب ان لا نحفل بما يقول الناس، نحن في طريق الحضارة والمدنية، ويجب ان نعتز بذلك ونفتخر.

انظر الى المسلمين، في نواحي العالم الاسلامي، ماذا يعانون من المصائب والنوازل والدمار، لماذا؟ لانهم لا يستطيعون ان يستخدموا عقولهم للانسجام مع الحضارة السامية المشرقة، وهذا هو السبب في بقائنا مدة طويلة في الحضيض ووراء الركب وتردينا الان الى الهوة السحيقة، وان استطعنا في السنوات الماضية ان ننجح الى حد في انقاذ انفسنا فذلك لان عقلياتنا قد تطورت، ولكننا لا نقف على مكان بل اننا نهضنا لنتقدم ونواصل السير الى الامام، فليحدث ما يحدث،ليست لنا الان طريق اءخرى، ويجب اءن تعلم الامة اءن الحضارة نار ملتهبة تحرق جميع من لا يخضع له».

دور اتاتورك في الغاء الدولة العثمانية:

ويقول مؤلف كتاب اتوتورك: «لم يكن سرا ان مصطفى كمال لا يدين بدين، لذلك كان شائعا بين الناس ان العلاقة ستلغى قريبا، وقد فزع الناس حين شاع ان مصطفى كمال رمى المصحف على راس شيخ الاسلام الذي كان من كبارعلماء الاسلام وشخصية محترمة، ولم يكن جزاء ذلك الا ان يلقى حتفه لساعته، ولكن ذلك لم يحدث ويدل ذلك على ان الزمن قد تطور كثير» .

ويذكر المؤلف حبه وغرامه بالحضارة الغربية وما كان لها في نظره من القدس والحرمة، وكيف كانت تسيطر على عواطفه وتتغلغل في عروقه ودمه، فيقول: «ان مصطفى كمال كان يتمسك الى حد كبير بما يلقي ويقول وياءمر الناس، وكان يعبدهذا الاله الجديد (الحضارة الحديثة) بحماس ونهم، وكان له عابدا وفيا، وقد نشر هذه الكلمة (الحضارة) من اقصى البلاد الى اقصاها، وعندما كان يتحدث عن الحضارة تتقد عيناه لمعا واشراقا، ويظهر على وجهه اشراق كاشراق الصوفية عند مراقبة الجنة» .

«يقول مصطفى كمال لشعبه: يجب علينا ان نلبس ملابس الشعوب المتحضرة الراقية، وعلينا ان نبرهن للعالم اننا اءمة كبيرة راقية، ولا نسمح لمن يجهلنا من الشعوب الاخرى بالضحك علينا، وعلى موضتنا القديمة البالية. نريد ان نسير مع التيار والزمن» .

ثم يقول المؤلف: «انطلق كمال اتاتورك يكمل عمل التحطيم الشامل الذي شرع فيه، وقد قرر انه يجب علينا ان نفصل تركيا عن ماضيها المتعفن الفاسد. يجب عليه ان يزيل جميع الانقاض التي تحيط بها، وهو حطم فعلا النسيج السياسي القديم، ونقل السلطنة الى «ديمقراطية» ، وحول الامبراطورية الى قطر فحسب، وجعل الدولة الدينية جمهورية عادية.

انه طرد السلطان (الخليفة) ، وقطع جميع الصلات عن الامبراطورية العثمانية. وقد بدا الان في تغيير عقلية الشعب بكاملها، وتصوراته القديمة وعاداته ولباسه واخلاقه وتقاليده واساليب الحديث ومنهاج الحياة المنزلية التي تربطه بالماضي وبالبيئة الشرقية. لقد كان ذلك اصعب بكثير من تكوين الجهاز السياسي من جديد. وكان يشعر بصعوبة هذه العملية، فقد قال مرة: «انتصرت على العدو وفتحت البلاد، هل استطيع ان انتصر على الشعب» .

«قدم مصطفى كمال، في 3 آذار سنة 1924 م مشروعا تحولت به الدولة العثمانية الى دولة تركية، والغى منصب الخليفة.وقد كان مصطفى كمال صريحا وجريئا في حديثه عن هذا الموضوع، فقال: ان الامبراطورية العثمانية قامت علىءسس الاسلام، ان الاسلام بطبيعته ووضعه عربي، وتصوراته عربية، وهو ينظم الحياة - من ولادة الانسان الى وفاته -ويصوغها صياغة خاصة، ويخنق الطموح في نفوس ابنائه، ويقيد فيهم روح المغامرة والاقتحام، والدولة لا تزال في خطر ما دام الاسلام دينها الرسمي» .

«كان ما قرره البرلمان لم يسترع الانتباه الا قليلا، كان ذلك في الواقع ضربة قاضية على الاسلام، واصابه في المقتل، وقدكان قراره توحيد المعارف بعيد الاثر في نظام الثقافة والتعليم، فقد استحوذت بذلك وزارة المعارف العمومية على الجهاز التعليمي كله في حدود الجمهورية، ووضعت يدها عليه، وقد شل هذا التطور نشاط المدرسة وحرية الاساتذة والمعلمين الذين كانوا يباشرون التدريس فيه» .

بين اتاتورك ومعاصره هتلر وقد تحدث المؤرخ الكبير ارنولد توينبي، في كتابه (ش حس ژثآ ش زرژژخب ح ت ) ببلاغة عن مدى التاءثر الذي احدثه تغيير الحروف في تركيا وذكاء كمال في اختيار افضل الطرق لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت