فهرس الكتاب

الصفحة 2467 من 3028

ب- الظروف غير الامينة للاحتكاك العلمي اما اذا كانت الامة المقتبسة ضعيفة حضاريا، ولا تملك المقومات الاخلاقية والفكرية والمناعة الكافية التي تحميها من الثقافة الاجنبية، فانها اذا تعرضت في حياتها الى الاقتباس من الامم الاجنبية الاخرى والاحتكاك بها فسوف تنتقل اليهاالمسائل العلمية مقرونة بكل ظروف وملابسات الامة الناقلة سياسيا واخلاقيا وفكريا، وليس من الممكن عزل المسائل العلمية عن المسائل الثقافية عند ذلك، ولا يمكن حماية الامة المستوردة من ثقافة الامة المصدرة واخلاقها، ولناتجربتان تاءريخيتان تؤكدان هذه الحقيقة.

(1) تجربة الفتوحات الاولى:

وهي تجربة امتداد الفتوحات الاسلامية الى الروم وايران. ولا شك ان الامة الاسلامية كانت تقتبس وتاءخذ من خلال هذه الفتوحات الكثير من العلم من الامم الاخرى، من المسائل الادارية والمحاسبة والطب والكيمياء والفلك، ولكن من دون ان تتاءثر بشيء من ظروف الامم الاجنبية في الاخلاق والثقافة والحضارة، وانما كانت تستقبل هذه المسائل وتصيغهابصيغتها الحضارية الخاصة ثم تستخدمها استخداما مقبولا.

(2) تجربة التغريب المعاصرة:

وهي تجربة احتكاك الامة الاسلامية بالحضارة الغربية في ظروف سقوط الدولة العثمانية. فقد الجاءت الحاجة الامة الى ان تاءخذ من الغرب كثيرا من مسائل العلوم التجريبية والرياضية والادارية الا انها، لما كانت لا تملك المناعة والمقومات الحضارية الكافية، لم تستطع ان تحمي نفسها من الظروف الحضارية للغرب، فصبغها الغرب بصبغته الخاصة.

عمل دعاة «الانسلاخ الحضاري» والان، بعد هذا الاستعراض، نشرح كيف بدا دعاة «الانسلاخ الحضاري» : حكاما ومفكرين عملهم بقطع الجسور بين الجيل الصاعد والسلف، وتعكير المنافع الحضارية بين هذا الجيل وما قبله من الاجيال.

تبديل الحرف العربي بالحروف اللاتينية في تركيا وقد كان الحاكم التركي «مصطفى كمال اتاتورك» الذي اسقط الخلافة العثمانية واقام في تركيا دولة علمانية قومية من اكثردعاة التغريب امعانا في دفع الامة باتجاه الحضارة الغربية، واستئصال جذورها الحضارية والتاءريخية.

لقد عمد مصطفى كمال اتاتورك الى الحرف العربي بالذات، وعمل على القضاء عليه في تركيا، واستبداله بالحروف اللاتينية.

وناهيك به وسيلة قوية لقطع الصلات الحضارية والفكرية بين هذا الجيل وما سبقه من الاجيال. فان الحرف المكتوب من اقوى وسائل الارتباط الفكري والحضاري بين الاجيال. وعندما يتم القضاء على الخط تنقطع اقوى الاواصر واكثرها متانة وفاعلية في ربط الحاضر بالماضي.

اذن كان المخططون لعملية «الانسلاخ والتقويم الحضاري» يعملون في غاية الدقة، فلم يكتفوا بقطع الفروع والاغصان،وانما عمدوا الى اقوى هذه الجسور فقطعوها، وعاد الجيل الجديد الذي عاصر الردة الجاهلية وسقوط الدولة العثمانية في تركيا لا يستطيع ان يقرا القرآن والحديث والتاءريخ والاخلاق والفقه والعقيدة من المصادر الاسلامية.

يقول الامير شكيب ارسلان في كتابه «حاضر العالم الاسلامي» :

«ولقد روج هذه الاغلوطة مصطفى كمال، رئيس جمهورية انقرة، لغرض في نفسه من جهة سلخ الاتراك تدريجيا من العقيدة الاسلامية وصرفهم عن اللغة العربية، فسار بتركيا سيرة من يجعل الدين الاسلامي اجنبيا عن الحكومة التركية،كما ان الدين المسيحي هو بزعمه اجنبي عن الحكومات الراقية، وتابعه في ذلك الحزب الذي يسمى في تركيا «خلق فرقه سي» ، والذي هو من اوله الى آخره اشبه بجند لمصطفى كمال تحت قيادته، لا يملكون معه قبضا ولا بسطا، فاءلغواجميع ما تشتم منه رائحة الاسلام، من اوضاع الحكومة التركية، وابطلوا المحاكم الشرعية، بعد ان ابطلوا العمل بالشريعة، والغوا الوزارة التي كان اسمها «مشيخة الاسلام» ، وجعلوا مكانها دائرة صغيرة تابعة لنظارة الداخلية سموه «ديانت ايشي» ، يءمور الديانة، وحذفوا من دستور تركيا المادة التي فيها «ان الاسلام هو دين الجمهورية التركية» ،وكانوا على مدى بضع سنوات، ابطلوا اقامة مراسم العيدين: النحر والفطر، وقالوا ان الحكومة التركية لا تعرفها، ولكنهم وجدوا في ما بعد ان الماءمورين، شاء رئيس الجمهورية ام ابى، لابد لهم من الاحتفال بهذين العيدين فعادوا في السنة الماضية يعطلون دوائر الحكومة فيهما، وعاد رئيس الجمهورية يقبل فيهما التهاني.

واما الكتابة التركية بالحروف العربية، برغم كل ما جرى لها من المعارضة، فقد كان تعليلها في ظاهر الحال تسهيل التعليم على النش ء، وتقصير المدة اللازمة للقراءة، ولكن الغرض الحقيقي منها كان اقصاء الترك عن العرب وابطال قراءة القرآن تدريجيا، واهم من ذا وذا اقناع اوروبا باءن تركيا قد تفرنجت تماما، وانه صار من العدل ان تدخل في العائلة الاوروبية،ولهذا الغرض الاخير نفسه حمل مصطفى كمال الاتراك على لبس القبعة ليزدادوا اندماجا في الاوروبيين، ولقد كان ترك الحروف العربية ضربة عظيمة على تركيا في حياتها العلمية والادبية والاقتصادية والتجارية، وتعذرت الكتابة على الجميع بالحروف اللاتينية، فانحصرت في فئة قليلة، وقلت المكاتيب والمراسلات بين الناس، وقل جدا عدد القراءللكتب والجرائد، واصبحت الجريدة التي كان عدد قرائها يحصى بالالوف لا يقراها ولا خمسمئة شخص، وصارت الحكومة مضطرة ان تقوم باءودها.

وازدادت الكتابات الرسمية صعوبة فتاءخرت اشغال الناس لدى الحكومة، ودثرت ملايين من الكتب فخربت بذلك بيوت لا تحصى، واما من الجهة الفنية فالحروف اللاتينية برغم ما ادخلوا من العلامات على بعضها لايتاء اللفظ التركي حقه لا تؤدي اللفظ التركي الصحيح في كثير من المواضع، فلذلك قد تغير بها اللفظ التركي عن اصله وصارت كاءنها لغة جديدة، ثم ان الحروف اللاتينية المنفصلة وان كانت اسهل في القراءة والكتابة فانها تاءخذ من الفسحة على القرطاس وتستغرق من الوقت للكتابة اكثر مما تستغرق الحروف العربية بكثير، وان الكتابة العربية هي اشبه شيء بالاختزال حخخرچزخ رذحژث وانها اوقع على مبدا الاقتصاد في الزمن والمكان واقرب من كتابة العصر الحالي المبني كل وضع فيه على الاختصار والاقتصاد.

ولا تزال هذه الازمة الكتابية مشتدة في تركيا، ولكن الغازي لا يزال مصمما على حمل تلك الامة على الحروف اللاتينية حبا بالتفرنج.

والذين لا يعلمون حقائق الاحوال يظنون ان الاتراك راضون مغتبطون بالغاء الشريعة الاسلامية من المحاكم، ورفع التعليم الديني من الكتاتيب والمدارس، واجبار النساء على السفور، وخلط الاناث والذكور في دور العلم، وحمل الاوانس على الرقص مع الشبان، ولبس القبعة والكتابة بالحروف اللاتينية، الى غير ذلك مما احدثته الحكومة الانقرية الكمالية. ويقولون انه لولا رضى الترك بذلك لثاروا بحكومتهم، ولاسقطوها ولردوها عن ثنيات الطرق، ولكن الذي يتاءمل في ما تحمله الشعب التركي من المصائب والنوائب التي تدك الجبال يفهم لماذا هي صابرة على مرارة هذه الاوضاع الاجتماعية التي هي مخالفة لمذهبها ومشربها وعادتها وذوقها، ولماذا هي تفضل الخضوع لها على الثورة والانتفاض والتطريق للاعداء ان يعودوا فيقضوا على تركيا كما كانوا قرروا على اثر الحرب العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت